رياح وأوتاد: خطأ المزيد من الاستعجال التشريعي
كما توقعتُ في المقال السابق، أبدى كثير من القانونيين والاقتصاديين ملاحظات ومآخذ على قانون التستر التجاري، منهم د. محمد بوزبر، والأستاذ حسين العبدالله، ود. سعود المطيري، والأستاذ محمد البغلي، الذين كتبوا مبينين بعض المآخذ على هذا القانون والنقص الظاهر في مواده، مما يؤكد ما ذهبتُ إليه في المقال السابق من أمرين، الأول هو ضرورة عدم الاستعجال في التشريع وأهمية التأني فيه، والثاني هو ضرورة نشر مسودات القوانين وعرضها على الجهات المتخصصة، مثل أساتذة الجامعة وجمعيات النفع العام المختصة وغيرهم لتحصين القوانين من أي أخطاء أو غموض، ولم تفلح مقابلة وكيلة الوزارة في الإجابة عن هذه المآخذ التي كتبها أولئك المتخصصون.
ولكن الحكومة لا تزال مستمرة في نهج الاستعجال التشريعي، فقد تم إعلان موافقتها على قانون جديد لتنظيم القضاء، ونقل بعض أهم صلاحيات مجلس القضاء إلى وزير العدل، فالقانون السابق الذي أُقر عندما كان الأخ مشاري العنجري وزيراً للعدل، والأخ حمد الجوعان رئيساً للجنة التشريعية التي كان من أعضائها عبدالله الرومي وأحمد باقر ود. يعقوب حياتي، كان يمثّل بالفعل استقلالاً للقضاء، أما الآن فقد تم إلغاء نص «بعد موافقة مجلس القضاء» من إجراءات تعيين النائب العام، وكذلك الأمر بالنسبة إلى نواب رئيس محكمة الاستئناف والمحكمة الكلية.
أما موضوع تأقيت الوظائف القضائية القيادية، فبالإضافة إلى أن القانون الجديد حدد التعيين بمدة أربع سنوات، فإنه وضع التجديد بيد الوزير، وهذا يضع شاغلي الوظائف القيادية القضائية تحت مسؤولية الوزير في التجديد أو عدم التجديد، كما ألغى القانون الجديد مناصب أعضاء مجلس القضاء الحاليين بأثر رجعي، وهذا يعني إنهاء وظائف مجلس القضاء والنائب العام والمحامين العامين الحاليين، وكل هذا يحمل شبهة مخالفة الدستور، لأن هذه التعديلات تؤدي إلى عزل القضاة بشكل غير مباشر، علماً بأن الدستور يمنع عزل القضاة.
وقد أكد لي بعض كبار الأساتذة الدستوريين وجود هذه المخالفات، مما يطرح تساؤلاً كبيراً حول سبب عدم عرض المشروع على المتخصصين الدستوريين، وهل فعلاً أبدى بعض كبار رجال القضاء ملاحظاتهم على بعض مواد المشروع؟ ولماذا كل هذا الإصرار والاستعجال على مواد عارضها المعنيون والمتخصصون في الوقت الذي تحتاج البلاد إلى الاستقرار القضائي، بحيث يكون أي تغيير متدرجاً ومحصناً دستورياً وخالياً من المآخذ، لأن القوانين هي قواعد عامة مجرّدة لا يُقصد بها أشخاص أو هيئات بعينها؟