رشوة الناخبين = فساد الديموقراطية!
في عام 1984 وأثناء إعداد رسالتي للدكتوراه، استوقفني حجم المؤلفات في مكتبات بريطانيا التي تبحث أمراً واحداً هو crisis of democracy (أزمة الديموقراطية)، وتركز هذه المؤلفات على خمسة أمور تشكّل هذه الأزمة، وهي:
1- فساد النظم الانتخابية وفساد مخرجاتها من النواب.
2- ظاهرة رشاوى الناخبين بمزايدات شعبوية مفرطة تهدر المصلحة الوطنية.
3- الاصطفافات الحزبية التي لا تنظر لأداء الحكومة ولا لبرنامجها، بل تستهدفها لأنها من حزب آخر!
4- طول مدة النيابة وعدم تقييدها، مما أفرز طبقة نيابية حاكمة مستمرة ومستقرة ومتنفذة.
5- تحوّل الديموقراطية لدكتاتورية الأقلية: فالنخب المسيطرة على الأحزاب أو المقاعد النيابية تمثل 10 بالمئة من الشعب، وهم مع أصحاب الأموال يتحكمون بالدولة وسلطاتها وقراراتها.
وخلاصة المراجعة هي فساد النخب النيابية والسياسية ورشوتها للناخبين لضمان مقاعدها وتفريطها في المصلحة العامة، فالنظام الديموقراطي صار مصدراً للفساد بدلاً من الإصلاح، وهو يفترض أن يحقق فكرة تداول السلطة ونزاهة الانتخابات ونجاح نواب أكفاء وذوي نزاهة، فتحوّلت إلى أداة للفساد ومعول هدم للدولة ونظامها السياسي الديموقراطي، فهيمن أصحاب النفوذ والسلطة والمال ممن يستغلون مقاعدهم النيابية في رشى الناخبين أو «الطبقة المؤثرة منهم» للاستمرار في مقاعدهم.
وتستخدم في الرِّشى الأموال بشكل كبير ومباشر، وكثيراً ما تكون أموال الخزينة العامة، مما يستوجب نظاماً انتخابياً دقيقاً يراقب مصادر الأموال وإنفاقها في الحملات الانتخابية، بل إن رشى الناخبين تتخذ صوراً عديدة، فيتم تسخير الدولة ومؤسساتها ونظمها الوظيفية والتأمينية والضريبية والدراسية والصحية والخدمية والتفريط بها، إذ من خلالها تُقدمّ رشى غير مباشرة للناخبين، مما يهدم أنظمة الدولة بدلاً من صونها وضمان حيادها والمساواة والنزاهة في الحصول عليها، وهو ما يجعل الديموقراطية تدور في حلقة الفشل، والدولة تشهد الأزمات والمشكلات المتتالية، وهو جوهر أزمة الديموقراطية المعاصرة في كل الأنظمة.
ولعل التجربة البرلمانية في الكويت لا تخلو من تلك الظواهر، بل تفشّت فيها بشكل متعاظم وأوسع مما يمكن تخيّله، حتى إنك ترى معظم الأعضاء السابقين، رغم حل المجلس وتعليقه 4 سنوات، لا يزالون يمارسون النمط نفسه من السلوك والوعود والعطايا والمحسوبيات والواسطات، فركيزة كل منهم ليست ما سيقدم من تطوير تشريعي أو رقابي أو تنموي أو برنامج سياسي حقيقي لتطوير المؤسسة التشريعية ونزاهتها وتطويرها، بل يركز على ما فيه ترضية للناخبين بمطالب وتعيينات وواسطات، وربما عطايا ومساعدات مباشرة لشراء ضمائرهم، ثم يدّعي باطلاً وبهتاناً أنه يقوم بإقناع الناس بطرحه وآرائه، وهو يستهلك 90 بالمئة من طاقته ووقته وربما ماله وأملاكه ومؤسساته في رشى الناخبين لأي انتخابات مقبلة، وهو ما يستوجب أن يطال الإصلاح تعديل كل الآليات والنصوص والممارسات التي تنحرف بالديموقراطية حتى لا تكون مفسدة لذمم الناخبين كما كانت، تحت غطاء الشعبوية المكذوبة.
إن الإصلاح المنتظر ينبغي أن يقضي على كل المثالب التي أفسدت الممارسة الديموقراطية، خلافاً لما جاء به دستور 1962 من جهة، وخلافاً لإرادة الآباء المؤسسين حينما وضعوا الدستور.
ولذا يجب تعديل نظام الانتخاب وقانونه، للتخلص من الارتباطات المناطقية والقبلية والعائلية والطائفية والخدمية، ولعل نظام انتخاب وفق يوم الميلاد مع دوائر عشوائية التكوين ومتغيرة أفضل الحلول، وكذلك تعديل قانون اللائحة الداخلية لمجلس الأمة وقانون المحكمة الدستورية وقانون الجنسية، فلا بُد أن يتم ضبط قانون الانتخاب بإعادة تنظيم حق الانتخاب والترشيح في ضوء ما كشفته ملفات الجنسية والعبث الذي طالها، وهو ما تم جزء منه أمس الأول، ويجب أن يقيد حق الترشيح بدورتين بحد أقصى لعضوية المجلس، كما يجب تغليظ إجراءات وعقوبات رشوة الناخبين المباشرة وغير المباشرة، وضبط المساءلة السياسية وتقييدها بضوابط موضوعية وإجرائية وزمنية، وضمان نزاهة العمل البرلماني واستقلاليته، ومنع تعارض المصالح فيه بكل جوانبه والصغيرة قبل الكبيرة، حيث لا تجوز عودة الانتخابات بثوبها السابق.