ديوان المحاسبة... بين المخالفات والملاحظات والجهات المقصّرة
في الكويت لا نعاني نقصاً في الأجهزة الرقابية، ولا قلة التشريعات، ولا غياب التقارير، بل لدينا جيش كامل من الجهات التي يفترض أن تكون مهمتها حماية المال العام ومراقبة أوجه الصرف ومحاسبة المقصرين.
ومع ذلك، نفتح تقارير ديوان المحاسبة كل عام فنجد الملاحظات ذاتها تقريباً: مخالفات مالية، ضعف في التحصيل، قصور في تنفيذ العقود، تأخّر في المشاريع، مبالغ مستحقة لم تُحصّل، وأموال تُهدر بسبب قرارات إدارية كان بالإمكان تفاديها. وهنا لا بد أن نسأل: أين الخلل الحقيقي؟ وهل أصبح دور الرقابة أن تخبرنا بعد وقوع الضرر بأن الضرر قد وقع؟
ديوان المحاسبة يؤدي دوره في رصد المخالفات والملاحظات، لكن المشكلة تبدأ بعد ذلك. فالرقابة لا تكتمل بمجرد كتابة الملاحظة وإرسالها إلى الجهة الحكومية، ولا تصبح حماية المال العام حقيقة بمجرد تبادل الكتب والمراسلات. ما يحدث في بعض الحالات أشبه بدائرة بيروقراطية مغلقة: يسجل الديوان الملاحظة، ترد الجهة بتبرير، ثم تتبادل المكاتبات، وبعد عام نجد الملاحظة نفسها وقد عادت إلى التقرير من جديد.
وهنا يصبح السؤال أكثر حدة: من يحاسب الجهة المقصرة؟ ومن يحاسب المسؤول الذي تسبب بإهماله أو سوء إدارته في خسارة المال العام؟ ولماذا تتحمل الدولة في النهاية فاتورة الأخطاء بينما يكتفي البعض بتوقيع كتاب أو تشكيل لجنة أو تقديم رد إداري؟
لدينا ديوان المحاسبة، وأجهزة رقابة داخلية، وجهات قانونية، وأجهزة مختصة بمكافحة الفساد، ولجان تحقيق ومتابعة، أي أننا نمتلك بالفعل جيشاً رقابياً كاملاً. لكن المواطن لا يريد معرفة عدد الجنود في هذا الجيش، بل يريد أن يرى أثرهم. يريد أن يعرف كم ديناراً تم إنقاذه قبل أن يُهدر، وكم مليوناً تم استرداده، وكم مسؤولاً تمت محاسبته، وكم عقداً تم إيقافه قبل أن يتحول إلى خسارة جديدة على الخزانة العامة.
المشكلة الأخطر ليست في وقوع المخالفة وحدها، فالأخطاء قد تقع في أي جهاز إداري، وإنما في أن تتحول المخالفة إلى حالة متكررة، وأن تصبح بعض ملاحظات ديوان المحاسبة ضيفاً سنوياً ثابتاً في التقارير. عندما تتكرر الملاحظة لسنوات، فنحن لم نعد أمام خطأ إداري عابر، بل أمام خلل في منظومة المساءلة نفسها.
المال العام ليس مالاً بلا صاحب، وليس أرقاماً جامدة في الميزانية. كل دينار يُهدر هو دينار كان يمكن أن يذهب إلى مستشفى أو مدرسة أو طريق أو إسكان أو مشروع تنموي أو تحسين خدمة للمواطن. ولهذا فإن التساهل مع الهدر ليس مجرد تقصير إداري، بل استنزاف مباشر لقدرة الدولة ومستقبل أجيالها.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من التقارير بقدر ما نحتاج إلى نتائج. نريد أن تتحول كل ملاحظة جسيمة إلى مسار واضح للمساءلة، وأن يعرف المواطن ماذا حدث بعدها: من المسؤول؟ ما حجم الضرر؟ هل استُرد المال؟ هل أُحيل المتسبب إلى التحقيق؟ وهل تم إصلاح الخلل حتى لا يتكرر؟
فالدولة التي تكتفي بتوثيق المخالفات ولا تمنع تكرارها لا تحارب الهدر، بل تؤرشفه. وإذا كان لدينا كل هذا الجيش الرقابي، فمن حق المواطن أن يسأل بصوت مرتفع: أين أنتم عندما تُستنزف أموال الدولة؟ وأين المحاسبة عندما تتحول الملاحظات من استثناء إلى عادة؟