وجهة وطن: ليبراليون ولكن... إسلاميون كذلك
لو قدّر لي أن أصنف حلقات المسلسل السعودي الشهير «طاش ما طاش» لوضعت على رأس التصنيف حلقة «ليبراليون ولكن»، التي كتبها عبدالرحمن الوابلي عام 2007، على رأس قائمة الحلقات الأفضل ضمن السلسلة التلفزيونية التي استمرت لأكثر من 20 عاماً، لأنها كشفت بصورة لطيفة وكوميدية مدّعي الليبرالية الذين «ينظّرون» بمبادئ لا يلتزمون بها، مع إمكانية إسقاطه على العديد من أدعياء أي مبادئ أو قيم لا يستطيع مرددها تطبيقها عند المواقف التي تتطلب اتخاذها.
بالمختصر، تدور أحداث الحلقة حول مجموعة من الليبراليين المنغمسين في التنظير منذ سنوات طويلة بقضايا الفلسفة ونظريات نيتشه وسارتر وماركس والتاريخ وعصر النهضة والشعر الحداثي والتنوير والنضال والحريات وسماع أغاني فيروز ومارسيل خليفة مع ختام جلساتهم الفكرية بوجبة «الكبسة» الأشهر شعبياً في السعودية... إلّا أنهم عندما تورّط صديقهم الصحافي في كتابة مقال من العيار الثقيل وجد أصدقاءه الليبراليين قد تخلّوا عنه وأنكروه، بل هجروا «الاستراحة» التي طالما جمعت نقاشاتهم وتنظيرهم... وقد قال أحدهم: «هو الذي أساء التقدير في مقاله»، وأيّده آخر بالقول: «قد تعبت من النضال»!
هذه القصة من «طاش ما طاش»، التي أخذت شكلاً كوميدياً، وتم تداول بعض مشاهدها على منصات السوشيال ميديا، تعبّر بشكل واقعي وتمثّل نقداً مستحقاً لشرائح عديدة من الليبراليين الذين لا يصمد العديد منهم، ولن أقول أغلبيتهم أو أقليتهم، في الاختبارات الأخلاقية التي تستلزم اتخاذ مواقف تتناسب مع المبادئ المعلنة أو المتداولة منذ سنوات وعقود.
ولو نظرنا إلى واقعنا العملي اليوم، لوجدنا أن حلقة «طاش ما طاش» (ليبراليون ولكن) لا تقتصر فقط على الليبراليين وحدهم، بل تشمل شرائح أخرى يجب ألّا تقع في هذا المحظور الأخلاقي، كبعض الإسلاميين أيضاً، فتجد في مجتمعنا وواقعنا السياسي من غرائب النماذج والعجائب التي لا تستقيم لا مع دين أو حتى مع فكر.
فمثلاً في الكويت عليك أن تعتاد أن تقرأ لليبرالي يتعالى على فئات أخرى في المجتمع، بل يجاهر بعنصريته وتفوّق نسَبه أو فئته على بقية خلق الله، أو إسلامي يهمش معاناة المظلومين والبسطاء، أو أن يتعارك كلاهما في قضايا هامشية، كاليوغا واحتفالات الكريسماس والحفلات، بينما تجدهما متلاطفين عند أبواب وموائد أهل الثروة والنفوذ، ومتسامحين مع الخطاب العنصري والفئوي، وأحياناً يتشاركان فيه.
لقد بات معتاداً، بل مملاً ومكرراً، أن بعض من يقدّم نفسه كليبرالي أو إسلامي يجتهد في أن يشغل نفسه بقشور الفكر الديني أو المدني، ويبذل كل جهده وطاقته في المعارك الهامشية أو تلك التي لا يترتب عليها أي كلفة أو موقف واضح، ويتعمد تناسي كل ما يرتبط بقيم العدالة والمساواة والحريات وقول الحقيقة والوقوف مع الحق، بل إن بعضهم مستعد مع تولّي أول منصب قيادي أو حكومي لطيّ ونسيان كل ما قال وطالب وجاهد أو حتى أفتى!
نماذج الليبراليين والإسلاميين «ولكن أو كذلك» البعيدين عن المبادئ التي يُفترض أن يلتزموا بها مع الأسف عديدة، وأعتقد أنها لا تعبّر عن الغالبية أو الشريحة الأكبر منهم، ولكن زادت وتيرة حضور هذه النماذج في زمن ارتفع فيه صيت كل ما هو هامشي وسطحي وسخيف.