هل نعيش معاً؟
متى كانت آخر مرة جلسنا فيها مع من نحب، دون أن تمتد أيدينا إلى الهاتف؟ ومتى أصبحنا نعرف أخبار البعيد، ونجهل شيئاً من تفاصيل القريب؟ ربما لا تكمن المشكلة في أننا لم نعد نلتقي، بل في أننا بدأنا نفقد معنى اللقاء. في محيطنا الخليجي، ما زالت الأسرة حاضرة في تفاصيل الحياة، وما زالت المجالس والمناسبات والزيارات جزءاً من ثقافتنا، لكن شيئاً تغير في جوهر العلاقة... أصبحنا نلتقي أكثر في المناسبات، وأقل في الأيام العادية، نتبادل الرسائل طوال اليوم، لكننا نؤجل المكالمة، نلتقط الصور معاً، لكننا لا نصنع دائماً ذكريات مشتركة. أصبح الحضور نفسه مفهوماً ملتبساً، قد يكون الإنسان أمامك، بينما ذهنه في مكان آخر، يتنقل بين رسالة وإشعار وخبر ومقطع، أجساد متقاربة، ومسافات نفسية تتسع بصمت. فهل التقنية هي السبب؟ ليس تماماً، إنها أداة، لكنها كشفت ميلاً أعمق إلى السرعة واختصار العلاقات، حتى أصبحنا نعتقد أن رسالة قصيرة يمكن أن تقوم مقام جلسة، وأن إعجاباً على صورة يمكن أن يعوِّض سؤالاً صادقاً عن الحال. فكيف نستعيد القرب؟ لا نحتاج إلى الحرب على التكنولوجيا، ولا إلى الحنين للماضي، نحتاج إلى أشياء بسيطة: (مائدة بلا هواتف، مجلس يُسمع فيه الجميع، زيارة بلا مناسبة، ومكالمة لا نختصرها بعبارة «مشغول»). ونحتاج إلى إعادة تعريف صلة الرحم، فهي ليست عدد الرسائل والتهاني، بل مقدار الوقت والاهتمام الذي نمنحه لمن نحب، فالزيارة التي نمنحها نصف ساعة من حضورنا، قد تكون أصدق من عشرات الرسائل التي نرسلها خلال عام كامل. وتبدأ الحكاية من البيت، فالأب الذي يطلب من ابنه ترك هاتفه، بينما يراجع رسائله أثناء الحديث معه، يقدم درساً أقوى من أي نصيحة، والأم التي تريد من أبنائها الحديث، تحتاج أن تمنحهم وقتاً كاملاً، لا وقتاً فائضاً بين مهمتين، والابن أيضاً يحتاج أن يدرك أن والديه لا يطلبان منه الكثير، ربما يريدان فقط أن يشعرَا بأن وجودهما ما زال مهماً في حياته. لسنا مطالبين بالعودة إلى الماضي، لكننا مطالبون بألا نخسر أجمل ما فيه: «دفء المجالس، وصدق الزيارات، وطمأنينة أن يجد الإنسان من يسمعه حين يحتاج». فالمستقبل ليس في أن نتواصل أكثر، بل في أن نحضر أكثر... وربما يكون السؤال الأصدق: «حين تتراجع سرعة الحياة يوماً، ماذا سيبقى لنا من كل هذا التواصل؟ هل ستبقى الرسائل والصور، أم ستبقى الوجوه والذكريات واللحظات التي كنا فيها معاً... حقاً؟».
* كاتب سعودي