مفارقة القوة في الشرق الأوسط... كيف ستغير الحرب مع إيران الدور العسكري للولايات المتحدة؟
طوال الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران، ابتهجت واشنطن باستعراض تفوقها العسكري التقليدي، فقد تباهت إدارة الرئيس دونالد ترامب بإنجازاتها الكمية، فقبل وقف إطلاق النار في 8 أبريل، نفذت الولايات المتحدة وحدها أكثر من 10.000 طلعة جوية، وضربت أكثر من 130.000 هدف، واعترضت 1.700 صاروخ وطائرة مسيرة إيرانية. ووفقاً للقيادة المركزية الأميركية، دمرت الحملة أكثر من 85 في المئة من المنشآت التي استخدمتها طهران لإنتاج الصواريخ والطائرات المسيرة، وأغرقت غالبية السفن الحربية الإيرانية، ودمرت 70 في المئة من البنية التحتية الخاصة بإطلاق الصواريخ.
لكن إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية لم يكن الهدف الاستراتيجي الشامل الذي حدده ترامب في الأيام الأولى من عملية «الغضب الملحمي»، فقد وعد، في أوقات مختلفة، بتحقيق استسلام النظام بالكامل، وحماية الشعب الإيراني من وحشية قادته، وتخليص المنطقة بالكامل من النفوذ الإيراني الخبيث، وانتزاع اتفاق نووي من طهران أفضل من ذلك الذي توصل إليه الرئيس الأميركي باراك أوباما عام 2015. ولا يزال تحقيق كل هذه الأهداف بعيد المنال، فقد نجا النظام في طهران، كما تكيف بذكاء باتجاه استراتيجية استنزاف أرهقت بشدة ترسانة الولايات المتحدة، وهددت البنية التحتية المدنية في أنحاء الشرق الأوسط، وأضافت بعداً جديداً إلى إسقاط القوة من خلال إغلاق مضيق هرمز فعلياً وممارسة ضغوط على الاقتصاد العالمي.
وعلى الرغم من أن النهج العسكري الأميركي تجاه المنطقة حقق العديد من النجاحات العملياتية فإن الحرب مع إيران كشفت عن أوجه قصور خطيرة فيه وخلقت تحديات جديدة، وبينما أثبتت وزارة الدفاع الأميركية قدرة لا مثيل لها على نشر قوة جوية وبحرية ضخمة بسرعة، فقد عمقت أيضاً علاقاتها مع الجيوش في الشرق الأوسط، ولا سيما مع القوات المسلحة الإسرائيلية، التي خاضت معها أول حملة مشتركة حقيقية لها منذ الحرب العالمية الثانية.
لكن النجاحات التكتيكية لواشنطن لم تتمكن من تعويض أخطائها الاستراتيجية، فقد أدى فشلها في بناء تحالف قتالي مسبقاً، أو حتى في عرض القضية على الساحة العالمية على نحو يثبت أن إيران أصبحت تهديداً وشيكاً، إلى تركها تكافح من أجل بناء توافق دولي لمواجهة التكتيكات غير المتكافئة التي اتبعتها إيران، والتوصل إلى اتفاق قوي لما بعد الحرب، كما استنزف الصراع الترسانة الأميركية بصورة خطيرة. وببساطة، لا تستطيع الولايات المتحدة تحمل خوض حرب أخرى من هذا النوع.
والأهم من كل ذلك، أن الحرب أضعفت مكانة الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني الرئيسي للشرق الأوسط، فعلى مدى عقود ركزت السياسة الأميركية تجاه إيران على الركائز الثلاث لإسقاط القوة الإيرانية: برنامج إيران النووي، وترسانتها الصاروخية، وشبكة الميليشيات التابعة لها، لكن إضعاف كل واحدة من هذه الركائز لم يكن كافياً لإسقاط الجمهورية الإسلامية أو إجبارها على قبول اتفاق يحمي الولايات المتحدة أو شركاءها.
وفي جوهر الأمر، تغيرت طبيعة التهديد الإيراني بطرق لم تكن واشنطن مستعدة تماماً لمواجهتها، ولم تؤد عملية «الغضب الملحمي» إلا إلى تسريع تكيف طهران، وطوال العملية واصلت الجيوش في الشرق الأوسط الاعتماد على الولايات المتحدة للحصول على دعم الدفاع الجوي والمعلومات الاستخباراتية، لكن واشنطن لم تتمكن من تحييد إيران بالكامل قبل أن يؤدي عدوانها الانتقامي إلى تحطيم سمعة الخليج باعتباره ملاذاً هادئاً وآمناً وملائماً للأعمال، كما لم تتمكن بفاعلية من كبح الجمهورية الإسلامية عندما قررت وقف حرية الملاحة عبر أهم ممر مائي في المنطقة.
وفي مفارقة مريرة، كشفت الحرب مع إيران عن فرص أمام القيادة المركزية الأميركية للعمل بفاعلية أكبر بكثير مع الجيوش الإقليمية، لكن فجوة الثقة التي انفتحت بين الولايات المتحدة وشركائها في الخليج ستجعل الاستفادة من هذه الفرص أكثر صعوبة بكثير، وتحتاج دول الخليج الآن، أكثر من أي وقت مضى، إلى التزامات أمنية أوضح، غير أن هذه الدول تفقد الثقة بأن واشنطن ملتزمة بضمان أمنها، كما أن الجمهور الأميركي والقادة السياسيين الأميركيين فقدوا ما كان لديهم من استعداد للعمل المكلف والمستمر لمواجهة تهديدات إيران.
إن الشرق الأوسط بعد عملية «الغضب الملحمي» ليس أكثر أمناً، ولا أكثر استقراراً، ولا أكثر ازدهاراً، وإذا فشلت الولايات المتحدة في تحقيق الأهداف الكبرى التي حددها ترامب قبل الحرب فإن قدرتها على حشد الشركاء في ساحات أخرى ستتضرر، وسيشعر خصومها بمزيد من الجرأة، ولكي تتعلم الولايات المتحدة دروس الحرب بصورة صحيحة، يتعين عليها تغيير الطريقة التي تخوض بها الحروب. وستحتاج القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية إلى الابتكار بسرعة أكبر، والتعاون مع شركاء موثوق بهم في تطوير وإنتاج ترسانة مشتركة قادرة على تلبية متطلبات الحروب المستقبلية.
وفي الشرق الأوسط، ستحتاج وزارة الدفاع الأميركية إلى تسريع التغييرات في وضع قواتها وقواعدها، وتحديث الطريقة التي تعمل بها مع الحلفاء، وتبحث دول الخليج بالفعل عن شركاء دفاعيين إضافيين، ويتعين على واشنطن أن تضاعف جهودها للانتقال من كونها الضامن الأمني الوحيد للمنطقة إلى كونها منسقاً لأمنها، وإذا فشلت في ذلك فقد تكرس فكرة أن الولايات المتحدة ستكون عائقاً، وليس أصلاً مساعداً، أمام حلفائها وهم يسعون إلى ضمان أمنهم.
استعراض للقوة
كانت الولايات المتحدة قد بدأت بالفعل في تعديل وضعها العسكري بالشرق الأوسط قبل عملية «الغضب الملحمي» بسنوات، فبعد حرب الخليج عام 1991، تناوب الجيش الأميركي على نشر قوات في قواعد عبر دول الخليج الشرقية، وهي البحرين والكويت وقطر والإمارات، ووضع معدات استعداداً لحرب تقليدية أخرى، ودعمت شبكة القواعد هذه لاحقاً الحروب الأميركية في أفغانستان والعراق خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وفي عقد 2010 حافظت الحملة الرامية إلى هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، المعروف أيضاً باسم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، والجهود الرامية إلى مواجهة النفوذ الإيراني، على هيكل القواعد القائم.
لكن مع ازدياد وعي واشنطن بترسانة إيران المتنامية من الصواريخ والطائرات المسيرة، والتهديد الذي تمثله للقواعد الأميركية بالخليج، بدأت في التخطيط لشبكة قواعد أكثر مرونة على طول البحر الأحمر والبحر المتوسط. وبحلول عام 2020، كانت وزارة الدفاع الأميركية تطور «شبكة الوصول الغربي»، وهي منظومة من القواعد تهدف إلى تجاوز نقاط الاختناق البحرية والتهديدات الإيرانية قصيرة المدى، كما بدأت نقل عناصر مركز التنسيق الموجود فوق سطح الأرض من قاعدة العديد في قطر إلى ولاية ساوث كارولاينا.
وقبل عملية «الغضب الملحمي»، لم تحشد الولايات المتحدة قوات أو عتاداً في البحرين والكويت وقطر أو الإمارات، بل إنها توقعت أن تهاجم إيران المنشآت العسكرية في تلك الدول بصواريخ قصيرة المدى، وأجلت القوات والمنصات العسكرية مسبقاً.
وبدلاً من ذلك، نسق قادة القيادة المركزية الحرب من داخل الأراضي الأميركية، وأطلقوا العمليات من الجانب الغربي من الشرق الأوسط، بما في ذلك من قواعد في إسرائيل والأردن والسعودية، وكذلك من منصات بحرية قبالة السواحل، وأتاح ذلك للولايات المتحدة تجنّب وقوع خسائر بشرية كبيرة وتباطؤ العمليات بعد أن هاجمت إيران القواعد الأميركية القديمة.
كما أظهرت الحرب مع إيران أن الولايات المتحدة قادرة على تنسيق دفاع جوي متعدد الجنسيات في أنحاء الشرق الأوسط بفاعلية. وكانت القيادة المركزية أمضت سنوات في العمل على دمج رادارات شركائها بالشرق الأوسط وأنظمة الإنذار بالتهديدات والدفاعات الخاصة بهم بصورة أفضل، مستفيدة من الانفتاح السياسي الذي أوجدته اتفاقات إبراهام لعام 2020 بين البحرين وإسرائيل والإمارات. وقد أثمر هذا الاستثمار، فخلال عملية «الغضب الملحمي» اعتمد الشركاء الأميركيون في المنطقة على المعلومات الاستخباراتية والمعدات الأميركية والإسرائيلية لنجاحهم في اعتراض غالبية الهجمات على أراضيهم.
وفي الواقع، جاءت جهود إيران لدق إسفين بين الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج بنتيجة عكسية، إذ عززت التعاون العسكري. وكانت دول الخليج في السابق مترددة في الارتباط بعمليات عسكرية هجومية أميركية ضد دولة ما. كما اختبرت الحرب شكلاً غير مسبوق من التنسيق العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ففي الحروب السابقة التي خاضتها واشنطن في الشرق الأوسط، حتى عندما كانت تقود تحالفاً، كان الاستراتيجيون الأميركيون يتولون المسؤولية بصورة حاسمة: كانوا يصممون الحملات، ويبنون العمود الفقري اللوجستي، ويوفرون معظم القوات، أما في هذه الحرب فقد صمم الاستراتيجيون الإسرائيليون والأميركيون الحملة العسكرية معاً، وقسموا قوائم الأهداف، وتقاسموا المخاطر بالتساوي.
وتولت إسرائيل القيادة في البداية، من خلال قمع الدفاعات الجوية الإيرانية وتنفيذ ضربات قطع الرأس التي قتلت نحو 40 من كبار القادة السياسيين والعسكريين الإيرانيين، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي، ولم تبدأ الطائرات المقاتلة الأميركية عبور المجال الجوي الإيراني إلا بعد أن حققت إسرائيل التفوق الجوي.
وفي إطار الاستعداد للحرب، نشرت الولايات المتحدة طائرات مقاتلة وطائرات للتزود بالوقود داخل إسرائيل، كما دعمت فرق البحث والإنقاذ الإسرائيلية جهود واشنطن لاستعادة طاقم طائرة أميركية بعد أن أسقطت إيران طائرة أميركية، وأمدت الاستخبارات الإسرائيلية العمليات الأميركية بالمعلومات، وكان هذا المستوى الأعلى من التعاون العسكري تتويجاً لسنوات من الاستثمارات الأميركية في قوة شريكة أثبتت أنها أصبحت نداً عسكرياً، وقادرة على تقاسم العبء في مواجهة إيران والتعامل مع التهديدات الناشئة الأخرى.
نداء إلى حمل السلاح
إن المساعدة الحيوية التي وفرتها المعدات الأميركية لإسرائيل ودول الخليج خلال الأزمة، والاستثمارات الضخمة التي قامت بها هذه الدول بالفعل لشراء الأنظمة الأميركية والتدرب عليها، تعني أن هذه الجيوش ستواصل على الأرجح شراء المعدات الأميركية والتدرب مع القيادة المركزية، كما أظهرت عملية «الغضب الملحمي» أن الحفاظ على وجود ثابت للقوات في القواعد القديمة بالشرق الأوسط لم يعد ضرورياً، مما يؤكد صحة الجهود السابقة لتحديث الوضع العسكري الأميركي الإقليمي.
وعلاوة على ذلك، فإن المنظومة العسكرية التي دعمت مهام مكافحة الإرهاب في سورية والعراق، والتي كانت لسنوات تتمركز في الكويت والأردن، يمكن أن تتطور مع تقليص نطاق تلك المهام، ومن المرجح أن تسرع وزارة الدفاع الأميركية أيضاً جهودها لتطوير «شبكة الوصول الغربي»، من خلال إبرام اتفاقات وصول مع إسرائيل، ووضع المعدات والقواعد على طول البحر الأحمر وفي إسرائيل.
غير أن هناك تحدياً في تحديث وضع القوات الأميركية بالشرق الأوسط، فقد يرى الشركاء المحليون، الذين يشعرون أصلاً بالقلق على أمنهم، أن التغييرات في الوجود العسكري الأميركي تعكس تراجعاً في الالتزام الأميركي، ولطمأنة هؤلاء الشركاء سوف تحتاج واشنطن إلى اتباع نماذج جديدة للتمركز والتدريب.
ويمكن لوزارة الدفاع الأميركية أن تشير إلى استثمارها المستمر في المنطقة، من خلال تخصيص مستوى ثابت من القوات للشرق الأوسط بصورة دائمة، على غرار الترتيب الذي تطبقه في الساحتين الأوروبية ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ، وسيبعث ذلك إشارة مطمئنة، كما سيساعد في التخطيط الدفاعي الأميركي والتمويل، ويمكن لهذه القوات أن تتناوب في أنحاء المنطقة لإجراء التدريبات والمناورات، وأن تتشارك المنشآت مع الشركاء، من خلال إنشاء ترتيبات للاستخدام المشترك، والصيانة الجماعية، وتقاسم التكاليف.
كما سلطت عملية «الغضب الملحمي» الضوء بصورة صارخة على المتطلبات المادية الهائلة للحرب الحديثة، وعلى عدم استعداد الولايات المتحدة لخوض حرب لفترة طويلة، وكان تغير اقتصاديات الحرب قد اتضح بالفعل من خلال الغزو الروسي لأوكرانيا والحرب المطولة التي أعقبته، فأنظمة الدفاع الجوي عالية المستوى والذخائر المتطورة مكلفة وغير مستدامة من الناحيتين المالية والعملياتية في مواجهة هجمات الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة وطويلة الأمد.
وقد مكنت المخزونات الحالية وزارة الدفاع الأميركية من التفوق على إيران خلال عملية «الغضب الملحمي»، لكنها فعلت ذلك على حساب ساحات وأولويات أخرى، وأنفقت واشنطن كمية استثنائية من الذخائر في ضرب أهداف داخل إيران نفسها، فكما أشارت الخبيرة الاستراتيجية الدفاعية ماكينزي إيغلن، أطلق الجيش الأميركي أكثر من 1000 صاروخ كروز من طراز توماهوك خلال بضعة أسابيع، لكنه لا يستطيع إنتاج سوى 90 إلى 100 صاروخ منها سنوياً.
ووفقاً لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أنفقت الولايات المتحدة لمواجهة النيران الصاروخية الإيرانية ما لا يقل عن 190 صاروخاً اعتراضياً من طراز نظام الدفاع الجوي للارتفاعات العالية، و1060 صاروخاً اعتراضياً من طراز باتريوت، بين 28 فبراير و8 أبريل وحدهما. ومثلت هذه الأرقام نحو 53 في المئة و46 في المئة من مخزونات الولايات المتحدة قبل الحرب، على التوالي. وبالمعدلات التي تستطيع بها الولايات المتحدة إعادة إنتاج هذه الصواريخ الاعتراضية، لن تكون قادرة على مواجهة التهديدات الجوية في ساحات متعددة إذا اضطرت إلى ذلك.
وللبقاء في صدارة منحنى الابتكار، ستحتاج الولايات المتحدة إلى تسريع عمليات الاستحواذ، والابتكار بصورة أكبر مع الدول الأخرى في الوقت نفسه. ويتعين عليها خفض الحواجز التنظيمية التي تمنع نقل التكنولوجيا من الشركاء وإليهم، ومعالجة الاختناقات الصناعية والتعاقدية والتمويلية التي تعرقل تطوير وإنتاج ذخائر فعالة من حيث التكلفة. ويمكن للولايات المتحدة أن تستفيد بدرجة أكبر بكثير من الابتكارات التي طورتها الجيوش الأوكرانية والإسرائيلية في مجال الحرب الحديثة إذا تغيرت السياسات وأزيلت العقبات البيروقراطية.
كما ستحتاج واشنطن إلى تحويل عمليات المبيعات العسكرية الأجنبية البطيئة وغير المرنة بصورة محبطة، فمبيعات الأسلحة والتكنولوجيا التي تستغرق سنوات لإنجازها تخاطر بأن تصبح غير ذات صلة. ومع تعديل الولايات المتحدة ترتيبات تمركز قواتها الإقليمية وتسريع إصلاحات عمليات الاستحواذ، ينبغي لها أن تدعو شركاءها في الخليج إلى الانضمام لترتيبات الإنتاج والتطوير المشتركين، وهي خطوة من شأنها تخفيف تحديات التمويل والإنتاج التي تواجهها، مع إضافة أبعاد جديدة وقيمة إلى الشراكات.
هدف متحرك
خلال عملية «الغضب الملحمي»، نفذت إسرائيل والولايات المتحدة نسخة موسعة من الخطة التي استخدمتاها خلال الضربات المدمرة التي شنتاها في يونيو الماضي على البرامج النووية والصاروخية الإيرانية، والتي عُرفت باسم «حرب الـ 12 يوماً»، لكن إيران كانت قد غيرت استراتيجيتها، مما أربك العملية، وبعد هذه الحرب استوعبت طهران دروساً رئيسية، أولاً: خلصت إلى أن هيكل صنع القرار شديد المركزية لديها أبطأ قدرتها على الاستجابة بفاعلية للضربات الأميركية والإسرائيلية، ولا سيما أن إسرائيل والولايات المتحدة استهدفتا كبار قادتها وشبكات الاتصالات التابعة لها، وثانياً: أدركت أن توجيه معظم ردها الانتقامي نحو هجمات صاروخية على إسرائيل، إلى جانب هجوم استعراضي واحد على قاعدة العديد الأميركية في قطر، لن يردع إسرائيل أو الولايات المتحدة، ولن يضعف عزيمتهما على العودة إلى العمليات العسكرية، ولن يدفع قطر ودول الخليج الأخرى إلى فرض قيود على الطريقة التي تستخدم بها واشنطن أراضيها أو مجالها الجوي.
كما تعلمت طهران من الطريقة التي استخدمت بها روسيا الطائرات المسيرة في الحرب على أوكرانيا، لا سيما قدرة الطائرات المسيرة على ضرب المراكز المدنية والبنية التحتية للطاقة، واستنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية، واختبار تغطية الرادارات تمهيداً لشن ضربات أكثر تدميراً.
ولذلك، بين حرب العام الماضي وحرب هذا العام، غيرت إيران أسلوبها في الحرب، فقد فوض القادة الإيرانيون سلطة الرد إلى مستويات أدنى مسبقاً، وأذنوا مسبقاً بقوائم أهداف يمكن توسيعها بسرعة لتوسيع نطاق حملة الرد، وهو ما تسميه إيران «الدفاع الفسيفسائي»، وعلى الرغم من ادعاءات القادة الأميركيين والإسرائيليين بأن هياكل القيادة والسيطرة التابعة للنظام كانت تتفكك، فإن الردود العسكرية الإيرانية ظلت متماسكة.
خذوا، على سبيل المثال، ردها السريع وفي الوقت المناسب على الضربة الإسرائيلية التي استهدفت حقل جنوب فارس للغاز البحري في 18 مارس، ففي غضون ساعات، صعد النظام التصعيد من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في الخليج، واستهداف الجانب القطري من حقل الغاز البحري نفسه، لكنه ضرب أيضاً منشآت نفطية سعودية وكويتية.
كما غيرت إيران مسارها من فرض تكاليف مباشرة على إسرائيل والولايات المتحدة إلى مهاجمة جميع الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة في جوارها، واستخدمت طائراتها المسيرة ليس فقط لضرب الأهداف مباشرة، بل أيضاً لاستنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية لدى خصومها واستكشاف تغطية راداراتهم، وغالباً ما تسببت هذه الهجمات في أضرار مادية محدودة، لكنها فرضت أعباء عملياتية وأجبرت الولايات المتحدة وشركاءها على اتخاذ موقف دفاعي كثيف الموارد.
ووسعت طهران نطاق ضرباتها لتشمل البنية التحتية المدنية، مثل الفنادق والمطارات ومحطات تحلية المياه والموانئ ومحطات النفط، وأصبحت الحرب النفسية والاقتصادية عنصراً متزايد الأهمية في ردها، وعانى المدنيون في أنحاء الشرق الأوسط من تحذيرات مستمرة من الصواريخ والطائرات المسيرة، وتعطل ممر تجاري بحري حيوي، وتزايدت التهديدات التي تواجه تدفقات الطاقة الإقليمية، مما جذب التركيز العسكري والاهتمام السياسي بعيداً عن الزخم العملياتي لعملية «الغضب الملحمي».
واكتشفت إيران أكبر مزاياها في المجال البحري، وكما فعلت في تكتيكات الطائرات المسيرة، أظهرت طهران قدرة على الابتكار الإبداعي في الحرب البحرية. ففي عام 2019، ورداً على عقوبات «الضغط الأقصى» التي فرضتها إدارة ترامب الأولى، هاجمت ناقلات نفط بالخليج، وفي عام 2023، أغلقت ميليشيا الحوثيين المدعومة من إيران حركة النقل في البحر الأحمر احتجاجاً على العمليات الإسرائيلية في غزة. وكان إغلاق إيران لمضيق هرمز في عام 2026 هو العرض الأبرز لقدرة كان النظام قد طورها على مدى سنوات.
وهذه المرة، وإدراكاً منها أنها لا تستطيع منافسة التفوق البحري الأميركي بصورة مباشرة، استخدمت إيران القوارب الصغيرة والطائرات المسيرة والألغام ووحدات إطلاق النار من البر لخلق حالة مستمرة من عدم اليقين الملاحي في المضيق، وقد ولدت هذه التكتيكات قدراً من المخاطر كان كافياً لتعطيل حركة المرور في ممر مائي يتعامل مع 20 في المئة من الشحن العالمي، ورفع تكاليف التأمين على السفن، وفرض ضغوط استثنائية على الأسواق العالمية.
تكيف أو مت
أثبت الجيش الأميركي أنه، بالتعاون مع إسرائيل، قادر على إضعاف قدرات خصم بصورة كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة، لكن الحرب الأخيرة أوضحت أن إيران تستطيع إسقاط قوتها بطرق جديدة، والأهم من ذلك أن قدرتها على التكيف في خضم صراع مستمر أكبر بكثير مما خططت الولايات المتحدة لمواجهته، ولذلك، وبدلاً من تقليص التهديد الإيراني الأوسع، ولدت الحرب مخاطر جديدة لدول الخليج والاقتصاد العالمي.
وتتمثل المشكلة الأكبر للولايات المتحدة بالشرق الأوسط الآن في عدم قدرتها على تحويل الإنجازات العسكرية إلى انتصارات استراتيجية. إن استعداد طهران المكتسب حديثاً لتهديد جيرانها الخليجيين بصورة مباشرة، وحرصها على استخدام الإكراه الاقتصادي العالمي، يعنيان أن الولايات المتحدة يجب أن تحافظ على وجود عسكري في الشرق الأوسط، وأن تواصل دعم جهود شركائها القدامى للدفاع عن أنفسهم، لكن الأميركيين لا يؤيدون تعميق هذه الشراكات العسكرية.
وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، أظهرت استطلاعات الرأي باستمرار أن الأميركيين يريدون خوض حروب خارجية أقل، والانسحاب تحديداً من الشرق الأوسط. وأظهر استطلاع أجرته رويترز وإبسوس في مارس أن غالبية الأميركيين أرادوا خروجاً سريعاً من إيران، حتى لو لم يتحقق انتصار استراتيجي. ومن المرجح أن يتردد القادة السياسيون الأميركيون في تعزيز الالتزامات الأمنية بالشرق الأوسط في الوقت الذي ستسعى المنطقة إلى الحصول عليها.
وأوضحت عملية «الحرية» الأميركية، وهي الجهد الأميركي قصير الأجل لإعادة فتح مضيق هرمز، أن الشراكات العسكرية الأميركية معرضة للخطر ليس فقط بسبب الضغوط السياسية الأميركية، بل أيضاً بسبب الضغوط السياسية من دول الخليج، وبعد أن نجح الجيش الأميركي في توجيه سفينتين تجاريتين للخروج من المضيق في 4 مايو لتحدي الحصار الإيراني، ضربت إيران محطة نفط إماراتية لإظهار استعدادها لمهاجمة المصالح الخليجية في مجال الطاقة، كما هاجمت سفينة تجارية كورية جنوبية لتهديد حركة الشحن التجارية غير العربية. واستهدفت، دون نجاح، مدمرتين تابعتين للبحرية الأميركية لاختبار استعداد ترامب للعودة إلى الحرب، ومع ذلك أصرت إدارة ترامب على أن وقف إطلاق النار لا يزال قائماً، ولم ترد على الهجمات الإيرانية إلا من خلال الدفاع عن سفنها البحرية.
وحتى قبل الحرب، كان قادة الشرق الأوسط يبحثون عن مزيد من التنوع في مشترياتهم العسكرية وشراكاتهم الدفاعية، وتسارعت هذه المساعي الآن، ففي ذروة الانتقام الإيراني، طلبت الإمارات من إسرائيل نشر قوات وأنظمة دفاع جوي إضافية على أراضيها، وأرسلت أوكرانيا فرقاً من خبراء مكافحة الطائرات المسيرة إلى أنحاء الشرق الأوسط، وفي أواخر مارس، وقعت اتفاقات أمنية طويلة الأجل للتدريب على مكافحة الطائرات المسيرة ونقل التكنولوجيا والإنتاج الدفاعي المشترك مع قطر والسعودية والإمارات.
كما أوفت دول حلف شمال الأطلسي، التي كانت لديها علاقات دفاعية مع الشرق الأوسط قبل الحرب، بالتزاماتها، وقدمت دعماً دفاعياً إضافياً إلى جانب الدعم الأميركي خلال الحرب، وقدمت المملكة المتحدة دعماً دفاعياً للبحرين والسعودية والإمارات ودول أخرى في المنطقة، ونفذت طلعات جوية ضمن الجهد الذي نسقته القيادة المركزية، كما نشرت فرنسا طائرات مقاتلة لاعتراض الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية التي كانت تستهدف الإمارات، وأرسلت مجموعتها الوحيدة من حاملة الطائرات إلى البحر الأحمر للاستعداد للمساعدة في إعادة حرية الملاحة بالمنطقة.
وفي أواخر أبريل، عقدت فرنسا والمملكة المتحدة قمة للأمن البحري، حضرها أكثر من 30 دولة، لبدء التخطيط العسكري لمهمة بحرية متعددة الجنسيات لدعم العبور غير المقيد في مضيق هرمز.
وسيستمر هذا الاتجاه نحو التنويع، فهناك دول أخرى مستعدة لسد الفجوات التي تتركها الولايات المتحدة مفتوحة، فعلى سبيل المثال، عدلت كوريا الجنوبية مؤخراً سياستها الخاصة بصادرات الدفاع لتسريع مبيعات المعدات، لا سيما إلى الشرق الأوسط، ويتعين على واشنطن أن تتبنى رغبة شركائها في تنويع شراكاتهم الدفاعية من خلال الاضطلاع بدور تنسيقي، مستلهمة من تاريخها الخاص، فقد سعت الإدارات الأميركية السابقة إلى جعل التعاون الأمني في المنطقة متعدد الأطراف، من خلال هياكل رسمية مثل قمة كامب ديفيد لعام 2015، التي عززت التعاون الأمني بين الولايات المتحدة ودول الخليج بعد إبرام اتفاق نووي مع إيران، ومبادرة التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط التي اقترحتها إدارة ترامب الأولى، والتي هدفت إلى إنشاء هيكل جديد تتعاون من خلاله دول الخليج إلى جانب الولايات المتحدة، وقمة جدة للأمن والتنمية التي عقدتها إدارة بايدن عام 2022، والتي سرعت التعاون الإقليمي في مجال الدفاع الجوي والدفاع.
وقد انطلقت هذه الجهود جميعاً من الفرضية نفسها، وهي أن الالتزامات الأمنية متعددة الجنسيات يمكن أن تدعم بصورة أفضل الدفاع الجماعي ضد إيران. وفي أعقاب عملية «الغضب الملحمي»، ينبغي لواشنطن أن تعمل مع حلفائها الآسيويين وحلفاء حلف شمال الأطلسي، لا سيما المبتكرون العسكريون مثل أوكرانيا، لإضفاء الطابع الرسمي على التعاون الأمني متعدد الأطراف.
وينبغي أن يكون الهدف إنشاء منظومة أمنية جديدة تدمج عمليات الأنظمة العسكرية المختلفة من الصناعات الدفاعية الوطنية المتنوعة، وتحمي المعلومات السرية للدول المشاركة، وتطلق تخطيطاً على مستوى مسرح العمليات لعمليات شراء وتشغيل معدات الدفاع الجوي المستقبلية، وتحتاج الولايات المتحدة إلى جمع الأطراف المهتمة بالدفاع ضد تهديدات إيران قبل أن تؤدي المشاركات الصينية والروسية إلى تحويل توازن النفوذ لمصلحة تضر بالولايات المتحدة.
ومع مرور الوقت، يمكن لمثل هذه الترتيبات أن تساعد الولايات المتحدة على أن تصبح منسق الأمن في الشرق الأوسط ضمن نظام أكثر توازناً لتقاسم الأعباء، كما تريد دول الخليج دوراً أكبر في ترتيباتها الأمنية، ففي عام 2000 وقعت دول مجلس التعاون الخليجي اتفاقية دفاع مشترك نصت على أن الهجوم على دولة واحدة هو هجوم على الجميع، وعلى الرغم من أنها لم تفعل هذا البند خلال الحرب مع إيران فإن القادة الإقليميين يظهرون اهتماماً متجدداً بإنشاء حلف شمال أطلسي إسلامي أو شرق أوسطي، وبالتحالف مع دول قريبة أخرى مثل مصر وباكستان.
ومن خلال رعايتها لاتفاقات إبراهام عام 2020، أظهرت واشنطن أنها تستطيع المساعدة في تسهيل أطر استراتيجية جديدة في المنطقة، كما تمثل اتفاقية التكامل الأمني الشامل والازدهار بين البحرين والولايات المتحدة لعام 2023 نموذجاً قيماً آخر، فهي توسع تعريف الأمن ليتجاوز الدفاع ليشمل التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، وتتضمن بنداً شبيهاً ببنود حلف شمال الأطلسي يلزم الأطراف بالعمل معاً لمواجهة «العدوان الخارجي على السلامة الإقليمية» لأي طرف موقع. وقد تُركت الاتفاقية مفتوحة لانضمام دول أخرى إليها، وانضمت المملكة المتحدة إليها في عام 2025، وينبغي للدول الثلاث الموقعة عليها ألا تدع هذه اللحظة تمر من دون تشجيع الأطراف الأخرى المهتمة داخل المنطقة وخارجها على الانضمام.
وخلال عملية «الغضب الملحمي»، أثبت الجيش الأميركي قيمته العملياتية لشركائه في الشرق الأوسط، وأكد قدراته التقليدية الفريدة، وينبغي أن تمنح تجربة الحرب المشتركة الولايات المتحدة أساساً جيداً لإعادة بناء شراكاتها وتوسيعها، لكن التباين بين العلاقات القوية التي لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بها مع الجيوش الإقليمية والعلاقات السياسية المتوترة بصورة متزايدة آخذ في الاتساع، ويتعين على إدارة ترامب أن تستفيد من إنجازات القيادة المركزية للتوصل إلى اتفاق يحد من التهديد الإيراني، كما يتعين عليها إجراء تغييرات منهجية في الطريقة التي تعمل بها واشنطن مع الشركاء الإقليميين.
وإذا أخفقت في أي من الجبهتين فستظل عملية «الغضب الملحمي» تمثل التناقض الحاسم للقوة الأميركية: عرض للقوة العسكرية التي لا مثيل لها، أفضى إلى شرق أوسط ما بعد أميركي.