الأغلبية الصامتة: وجود هذا الشيء
توجد هناك رسائل تعليمية أقرب للبذور التي تزرع في نفوس الصغار، وينتظر أن تنمو في عقلهم الباطن الذي لا يعرف أحد كيف ومتى تعمل، ولكن طالما أن المعلومة زُرعت بطريقة محببة ومن معلم «شاطر»، فستخرج في الوقت المناسب.
من بين تلك الرسائل، والتي أعتبرها (أمّهم)، هي تبيان أهمية القراءة وتحفيز الطلبة عليها خارج دائرة المنهج المقرر، وشخصياً لا أذكر ولا أعلم اسم مادة مخصصة لتعليم عادة القراءة، غير ساعة المكتبة التي استُغلت لتمضية الوقت، وغير ذلك فنحن ندرس كل مادة بموضوعها فقط.
ولولا بعض الاجتهادات من بعض المعلمين، لما قرأنا غير كتب الدراسة، ولا زلت أذكر تلك الطفرة التي حدثت في مكتبة مدرسة الخليل بن أحمد المتوسطة، عندما أسهب أحد المعلمين في الثناء على دور الكويت الثقافي على مستوى الوطن العربي، ومكانة مجلة العربي التي تصدر منها، ثم قام بتوزيع نسخ من المجلة على كل طالب.
إن القراءة واحدة من أهم الأدوات الطبيعية والفعالة في تحسين الصحة النفسية وتعزيز الاستقرار العاطفي للإنسان. ولا تقتصر فوائد المطالعة على تغذية العقل بالمعلومات فحسب، بل تمتد لتشمل إعادة تشكيل استجابة الدماغ للضغوط اليومية، مما يجعلها بمنزلة علاج نفسي ذاتي متاح للجميع، فضلاً عن خفض مستويات التوتر والقلق، ويكفي للشخص أن يقرأ بهدوء لمدة 6 دقائق فقط لكي ينخفض معدل ضربات قلبه وتسترخي عضلاته المشدودة، وتساهم قراءة الروايات والقصص تحديداً في تطوير قدرة الإنسان على التعاطف وفهم مشاعر الآخرين.
ولمن يعانون الأرق، وبدلاً من تناول الأدوية، تساعد القراءة من كتاب ورقي على تهدئة النشاط العصبي والدخول في نوم عميق وصحّي، أما لجهة تقوية الذاكرة وتأخير الشيخوخة العقلية، فإن القراءة تعتبر تمريناً رياضياً متكاملاً للدماغ.
نعود إلى أهمية غرس عادة القراءة، فكلما بدأت منذ الصغر كانت العملية أسهل، وهنا يكون المنزل هو الخطوة الأولى، وليس المطلوب أكثر من تخصيص مكان بارز كمكتبة، تنزع صورتها في العقل الباطن للطفل الذي يجب أن يعتاد وجود هذا (الشيء) كجزء أساسي في حياته، ومع مرور الوقت تصبح عادة القراءة لديه أمراً مُسلّماً به كالهواء، وفي أي مكان كالحافلة أو القطار أو الطائرة.