دراسة: 4 مسائل جوهرية تستحق المراجعة والحسم قبل نفاذ «قانون التستر»

المحاصة وأساس التجريم والإبلاغ وتوفيق الأوضاع تعليقاً على قانون التستر التجاري لسنة 2026

نشر في 17-08-2026
آخر تحديث 16-08-2026 | 18:01
No Image Caption

نشرت جريدة «الكويت اليوم» في عددها رقم 1803 الصادر بتاريخ 9 أغسطس 2026 المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 في شأن مكافحة التستر التجاري، وهو تشريع يتكون من (14) مادة، ويبدأ العمل بأحكامه بعد مضي ستة أشهر من تاريخ نشره. 

ويأتي هذا المرسوم لمعالجة ظاهرة لم يعد من الممكن النظر إليها باعتبارها مجرد مخالفة إدارية أو تنظيمية، إذ يقوم التستر التجاري في جوهره على الفصل بين صاحب الصفة القانونية الظاهرة للنشاط وبين مَن يملكه أو يديره فعلياً. ويترتب على ذلك خروج جانب من النشاط الاقتصادي عن نطاق الرقابة والقياس الفعلي، وتحول الترخيص التجاري من أداة لتنظيم ممارسة النشاط إلى وسيلة تتيح للغير الانتفاع به بعيداً عن الشروط التي قررها القانون.

والواقع أن حظر هذه الممارسات ليس مستحدثاً في التشريع الكويتي. فقد قررت المادة 23 من قانون التجارة رقم 68 لسنة 1980 ضوابط اشتغال غير الكويتي بالتجارة، كما نظم قانون الشركات رقم 1 لسنة 2016 نسب المشاركة في الشركات، وحظر القانون رقم 111 لسنة 2013 مزاولة الأنشطة التجارية دون الحصول على الترخيص المقرر قانوناً. إلا أن المنظومة السابقة كانت تفتقر إلى تجريم مستقل ومباشر للتستر التجاري، وإلى أدوات قانونية أكثر فاعلية لكشفه وإثباته وملاحقة صوره المختلفة، وهو ما سعى المرسوم الجديد إلى استكماله.

ومع أهمية هذا التحول التشريعي، فإن القراءة المتأنية لأحكام هذا المرسوم بقانون تكشف عن أربع مسائل جوهرية تستحق المراجعة والحسم قبل بدء نفاذه، لا بعد دخوله حيز التطبيق.

النقص التشريعي يترتب عليه أثر عملي مزدوج يتعلق بالإثبات والجزاء معاً

أولاً: شركة المحاصة... تجريم الاستتار أم تجريم صفة المستتر؟

شركة المحاصة شركة ينظمها قانون الشركات لسنة 2016 ويعترف بها في الباب الخامس من القانون، وهي مستترة بطبيعتها لا بالمخالفة بحيث لا تُقيّد في السجل التجاري، ولا تتمتع بشخصية اعتبارية مستقلة، ولا يعلم الغير بوجودها، ويتعامل فيها الشريك الظاهر باسمه ورخصته لحساب شراكة قائمة بين الشركاء وحدهم.

وهذا الوصف مطابق حرفياً لما تحظره الفقرة الثانية من المادة (2) من المرسوم، إذ تمنع تمكين الغير من مزاولة النشاط التجاري، ويشمل ذلك السماح له باستخدام الاسم التجاري أو الترخيص أو السجل التجاري «أو أي وسيلة أخرى». فمَن يقرأ النص وحده يجد أن أركان الجريمة متوافرة في كل عقد محاصة أيضاً.

والحقيقة القانونية غير ذلك. فالتستر لا يقوم بمجرد الاستتار، بل بصفة الشريك المستتر، أي بكونه ممنوعاً قانوناً من مزاولة النشاط. فالمحاصة بين شركاء مؤهلين لمزاولة النشاط ولا تشكل جريمة لتخلف هذا الركن المفترض، بينما المحاصة التي يكون شريكها المستتر أجنبياً محظوراً عليه النشاط هي الصورة النموذجية للتستر لا صورة استثنائية منه.

المشكلة تكمن أن هذا التمييز الجوهري لا يظهر في النص ولا في المذكرة الإيضاحية للمرسوم، ولم يرد أي استثناء صريح لشركة المحاصة، ولم تستبقِ المادة الثالثة عشرة أحكامها حين ألغت «كل حكم يتعارض» مع المرسوم إلغاءً مطلقاً بلا تحديد. وهذا الإلغاء المفتوح هو مصدر الخطر الحقيقي، لأنه يترك للقاضي وجهة التحقيق تحديد ما إذا كانت أحكام المحاصة في قانون الشركات قد بقيت أو نُسخت ضمنا.

ويترتب على هذا النقص التشريعي أثر عملي مزدوج، يتعلق بالإثبات والجزاء معاً. فمن ناحية الإثبات، قد تصبح عقود المحاصة بطبيعتها محلاً للاشتباه، بما قد يؤدي عملياً إلى تحميل الشريك الظاهر عبء إثبات أن الشريك المستتر لا يندرج ضمن الفئات المحظور عليها ممارسة النشاط. وهو عبء يثير إشكالاً قانونياً دقيقاً، لأنه ينصرف إلى إثبات واقعة سلبية في نطاق جنائي، في حين أن الأصل أن يقع عبء إثبات عناصر الجريمة على سلطة الاتهام.

أما من ناحية الجزاء، فإن المادة الخامسة تخاطب «الشخص الاعتباري» وتقرر مسؤوليته بالتضامن، في حين أن شركة المحاصة لا تتمتع بالشخصية الاعتبارية ولا بذمة مالية مستقلة، ولا تظهر للغير بوصفها كياناً قانونياً مستقلاً. ومن ثم، يتعذر مساءلتها بذاتها، وقد يترتب على ذلك أن تنصرف آثار المصادرة الوجوبية والغلق النهائي المنصوص عليهما في المادة السادسة، عملياً، إلى الشريك الظاهر وحده، رغم أن العوائد والأرباح قد تكون موزعة بين شركاء مستترين لا يظهرون في السجلات الرسمية. والنتيجة أن أداة تعاقدية وتمويلية مشروعة، يشيع استخدامها في بعض مشروعات المقاولات والتطوير محددة المدة في دولة الكويت، قد تصبح عرضة للتعطيل أو الإحجام عن استخدامها بسبب فراغ تشريعي كان من الممكن تداركه بنص صريح ومحدد.

التجريم القائم على الامتناع يفترض في الأصل وجود واجب قانوني سابق يحدد ما كان يتعين على الشخص القيام به

ثانياً: تناقض الجزاء مع أساس التجريم ومع مبدأ التفريد العقابي

تثير المادة (5) من المرسوم ملاحظة أساسية في هذا الجانب. فهي تقرر مسؤولية المسؤول عن الإدارة الفعلية في ثلاث حالات مختلفة، إذا ثبت علمه بالمخالفة، أو إذا وقعت نتيجة إخلاله بواجبات الإدارة، أو إذا ساهم في وقوعها، ثم تحيله في جميع هذه الحالات إلى العقوبات ذاتها المقررة عن الجريمة الأصلية.

وموطن الإشكال هنا أن هذه الحالات لا تعبر عن الدرجة نفسها من الخطأ. فهناك فارق واضح بين شخص يشارك عمداً في التستر ويقصد تمكين الغير من ممارسة النشاط المخالف، وبين مدير لم يشارك في الجريمة، ولكنها وقعت نتيجة تقصير منه في الرقابة أو الإشراف. ومع ذلك، وضع المرسوم الحالتين داخل الإطار العقابي ذاته.

وهذا يثير تساؤلاً حول مدى مراعاة مبدأ تفريد العقوبة، الذي يقتضي أن تتناسب شدة الجزاء مع جسامة السلوك ودرجة الخطأ. فالتفرقة بين الجريمة العمدية والخطأ غير العمدي ليست مسألة شكلية، وإنما هي من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها قانون الجزاء.

وتزداد أهمية هذه الملاحظة بالنظر إلى شدة العقوبات المقررة في المرسوم. فالعقوبة قد تشمل الحبس لمدة لا تقل عن سنة، وغرامة تبدأ من عشرة آلاف دينار وقد تصل إلى مئة ألف دينار أو إلى ما يعادل قيمة الأرباح المتحصلة من النشاط، أيهما أكبر، إلى جانب جزاءات أخرى كالمصادرة وإغلاق المنشأة وإلغاء الترخيص، فضلاً عن الإبعاد بالنسبة إلى الأجنبي في الحالات التي ينطبق فيها النص.

وهنا يظهر تساؤل آخر أكثر دقة، فالغرامة المرتبطة بقيمة الأرباح، وكذلك مصادرة الأموال المتحصلة من النشاط، تبدوان منطقيتين بالنسبة إلى من حقق منفعة اقتصادية من التستر. أما المسؤول عن الإدارة الفعلية فقد يكون مجرد موظف أو مدير يتقاضى راتباً ثابتاً ولم يحصل على أرباح النشاط. ومع ذلك، فإن إحالة المادة (5) إلى «ذات العقوبات» قد تؤدي، بحسب ظاهر النص، إلى تطبيق منظومة جزائية صممت أصلاً لمواجهة المستفيد الاقتصادي من الجريمة على شخص لم تتحقق له تلك المنفعة. وهذا الأمر يثير إشكالية تتجاوز مجرد قسوة العقوبة إلى مدى انسجامها مع مبدأ شخصية العقوبة المقرر دستورياً. فلا ينبغي أن يحدد مقدار الجزاء المفروض على شخص استناداً إلى أرباح حققها شخص آخر أو شركة لها ذمة مالية مستقلة عنه، ما لم يكن النص قد حدد بدقة أساس هذه المسؤولية وحدودها.



ومن أوجه الملاحظة كذلك أن المادة تجعل مجرد العلم بالمخالفة أحد أسس مسؤولية المدير الفعلي. إلا أن المرسوم، بحسب هذا البناء، يحتاج إلى توضيح ما إذا كان هذا العلم يرتبط بواجب قانوني محدد في الإبلاغ أو اتخاذ إجراء لمنع المخالفة. فالتجريم القائم على الامتناع يفترض، في الأصل، وجود واجب قانوني سابق يحدد ما كان يتعين على الشخص القيام به.

ومن الناحية العملية، يصبح هذا الأمر أكثر أهمية إذا كان المدير يعلم بوجود تستر ولكنه يخشى الإبلاغ عنه بسبب مركزه الوظيفي أو احتمال فقدان عمله. ولذلك فإن فعالية القانون لا تتحقق بالعقاب وحده، بل تحتاج أيضاً إلى منظومة واضحة تشجع الإبلاغ وتحمي المبلغين من الانتقام الوظيفي أو المهني.

والخلاصة أن الإشكال في المادة (5) لا يكمن في مبدأ مساءلة المدير الفعلي ذاته، فهذا أمر قد يكون ضرورياً لمنع الإفلات من المسؤولية، بل في كيفية صياغة هذه المسؤولية والعقوبات المترتبة عليها. فالمساواة بين العلم والتقصير والمساهمة العمدية، ثم إخضاعها جميعاً للحزمة العقابية نفسها، قد تؤدي إلى نتائج لا تتناسب دائماً مع درجة الخطأ أو المنفعة التي حصل عليها كل متهم.

القانون الجديد يفتح باب حافز مالي أمام الابن ضد أبيه والزوج ضد زوجته دون ضابط أو حماية

ثالثاً: الإبلاغ داخل الأسرة والمادة 132 من قانون الجزاء

منحت المادة (9) من المرسوم المبلّغ من غير الجناة مكافأة لا تتجاوز عشرة في المئة من قيمة الغرامات المحصلة، بشرط أن يكون قد قدم دليلاً يصلح للاستناد إليه وأن يصدر بناءً عليه حكم نهائي بالإدانة. والنص جاء مطلقاً، فلم يستثن أحداً بحكم صلة القرابة.

ويقتضي التدقيق والمطابقة فى تحديد نطاق المادة 132 من قانون الجزاء بدقة. فهي تعاقب من أخفى شخصاً صدر في حقه أمر بالقبض أو أعانه على الفرار، ثم تقرر ألا تسري أحكامها على زوج من أخفى أو أُعين على الفرار ولا على أصوله أو فروعه. وفي باب الاشتراك قاعدة موازية تمنع توقيع عقوبة الشريك بعد وقوع الجريمة على زوج المتهم أو أصوله أو فروعه إذا آووه أو ساعدوه على الاختفاء. وهذان الإعفاءان منصرفان إلى الإيواء والإعانة على الفرار، ولا يمتدان بنص صريح إلى إخفاء الأشياء المتحصلة من الجريمة، ولا إلى الاشتراك في الجريمة الأصلية.

ولهذا لا يقوم تعارض نصي بين المادتين. فالمرسوم لم يفرض واجب إبلاغ حتى يُطرح سؤال الإعفاء منه، وما قررته المادة 132 إعفاء من عقاب لا إعفاء من واجب. لكن المقارنة تكشف تنافراً في السياسة التشريعية أخطر من التعارض النصي.

فالمشرع الكويتي يعترف بالمانع الأدبي في صلة القرابة ويرتب عليه أثراً، بل ذهب في المادة رقم (7) من قانون مكافحة الاتجار بالأشخاص لسنة 2013، إلى إعفاء أقارب الجاني حتى الدرجة الرابعة من عقوبة الامتناع عن الإبلاغ. والقانون الجديد يسير في الاتجاه المقابل حين يفتح باب حافز مالي أمام الابن ضد أبيه والزوج ضد زوجته، دون ضابط ودون حماية. والمسألة ليست نظرية ولها جانب معتبر من ترتيبات التستر يقوم داخل بنية عائلية: فالرخصة باسم قريب، والحسابات باسم آخر. ومع مصادرة وجوبية وغلق نهائي للمنشأة، يكفي بلاغ واحد في سياق خلاف على ميراث أو طلاق لتصفية مصدر رزق أسرة كاملة، بمن فيهم من لا صلة له بالمخالفة. ويزيد الأمر التباساً أن القريب المشارك في الترتيب مستبعد أصلاً من المكافأة بوصفه من الجناة، فيبقى الحافز متاحاً لمن هو أبعد عن الوقائع وأقل معرفة بها، أي أن النص يشتري أضعف الأدلة بأعلى كلفة اجتماعية.

يضاف إلى ذلك أن استحقاق المكافأة معلّق على حكم نهائي بالإدانة، بينما تشجع المادة (8) على التصالح الذي ينقضي به الدعوى الجنائية. فمن يبلّغ ثم يُتصالح في قضيته لا يستحق شيئاً، ولم يقرر النص له حماية من الانتقام ولا ضماناً لسرية هويته.

المتقدم بإفصاح طوعي عن ترتيب قائم إنما يقدم اعترافاً مكتوباً يصلح سنداً لمساءلة أشد من تلك التي يسعى إلى تسويتها

رابعاً: 6 أشهر ليست فترة توفيق أوضاع

نصت المادة (14) على العمل بالمرسوم بعد ستة أشهر من تاريخ نشره. وهذه المدة إرجاء لنفاذ القانون لا فترة لتصحيح الأوضاع. فليس في المرسوم نص يمنح من صحح وضعه خلالها حماية أو إعفاءً أو تخفيفاً، ولا آلية إفصاح طوعي، ولا حكم انتقالي واحد. ولأن التستر جريمة مستمرة، فإن الترتيبات القائمة تدخل في نطاق التجريم بمجرد النفاذ دون أي إشكال يتعلق بمبدأ عدم رجعية النصوص الجنائية. والمدة غير كافية بمقاييس عملية. فالتصحيح يقتضي إنهاء الاتفاقات الجانبية، وإعادة هيكلة رأس المال وتعديل عقد الشركة وتوثيقه وقيده، أو الانتقال إذا يسمح بذلك النشاط إلى ترخيص بموجب قانون تشجيع الاستثمار المباشر رقم 116 لسنة 2013، مع ما يستتبعه ذلك من إعادة ترتيب للتسهيلات المصرفية والضمانات وعقود الإيجار وملفات العمالة. وكل مسار من هذه المسارات يستغرق وحده شهوراً. ثم إن المادة الثانية عشرة أحالت التنفيذ إلى قرارات الوزير المختص دون تحديد ميعاد لصدورها، فقد تصدر متأخرة وتقتطع من المهلة أصلاً.

وثمة عقبة أعمق تصيب فكرة الإفصاح الطوعي في مقتل. فبصيرورة التستر جريمة عقوبتها الحبس، تصبح عوائده متحصلات من جريمة بالمعنى المقصود في قانون مكافحة غسل الأموال رقم 106 لسنة 2013. ومن يتقدم بإفصاح طوعي عن ترتيب قائم إنما يقدم اعترافاً مكتوباً يصلح سنداً لمساءلة أشد من تلك التي يسعى إلى تسويتها. وأي فترة تصحيح تُقرَّر مستقبلاً دون معالجة هذه النقطة بنص صريح ستبقى نصاً معطلا.

والنتيجة المتوقعة لمهلة قصيرة بلا حماية ليست التصحيح، بل تصفية سريعة للنشاط، أو نقل صوري للملكية وهو تستر جديد بواجهة أحدث، أو انزلاق إلى التعامل النقدي غير الرسمي. والمعالجة معروفة ومجرّبة في التشريعات المقارنة وهى فترة تصحيح صريحة يفترض لا تقل عن سنة تبدأ من تاريخ صدور اللائحة التنفيذية، مقرونة بنظام إفصاح طوعي يعفي المبادر من العقوبة السالبة للحرية ومن المصادرة مقابل تسوية مالية وتصحيح فعلي، مع نص قاطع في أثر هذا الإفصاح على المساءلة عن غسل الأموال.

خلاصة

المرسوم يسد فراغاً حقيقياً في الجزاء، لكنه ترك أربع مسائل جوهرية معلّقة: مصير شركة المحاصة بين إلغاء مطلق وتجريم واسع، ومسئولية المدير الفعلي، وحافز إبلاغ يخترق صلة القرابة على خلاف فلسفة قانون الجزاء، ومهلة نفاذ غير كافية وجميعها قابلة للمعالجة بتعديل محدود قبل فبراير 2027، وكلفة هذا التعديل اليوم أقل بكثير من كلفة سنوات من التفاوت لاحقا في التطبيق القضائي.

* «أركان» الدولي للمحاماة والاستشارات القانونية

back to top