الهجرة تتحول إلى برميل بارود عالمي
مع تراجع عصر الهجرة الجماعية الحديث، يتعين على الدول أن تتحرك الآن، وإلا فإنها تخاطر بموجة ارتداد شعبية قد تكون أكثر قسوة.
في ثيتفورد، البلدة الإنكليزية الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها نحو 25 ألف نسمة، اندلعت أعمال عنف الأسبوع الماضي بعدما هاجمت حشود غاضبة مباني يُعتقد أن طالبي لجوء يقيمون فيها. وقد عاد الهدوء الهش إلى البلدة، لكن السلطات البريطانية تخشى أن تمتد موجة العنف المعادية للمهاجرين إلى مناطق أخرى.
ثيتفورد ليست حالة معزولة، ففي أماكن مختلفة من العالم أصبح المهاجرون، ومعهم المقاومة الشعبية للهجرة الجماعية، موضوعاً متكرراً في الأخبار، ويبدو أن شيئاً تاريخياً آخذ في الحدوث: ربما يقترب عصر الهجرة الجماعية الحديث من نهايته.
يُظهر التاريخ أن المعارضة للهجرة تتصاعد عندما تصبح الهجرة واسعة الانتشار، فالولايات المتحدة، التي سمحت بالهجرة إلى حد كبير منذ الثورة، بدأت في نهاية القرن التاسع عشر تتجه إلى سياسات أكثر تشدداً بعدما تجاوزت نسبة المولودين في الخارج 14% من السكان. وفي عام 1924 أغلق قانون جونسون- ريد أبواب البلاد أمام الهجرة بصورة شبه كاملة، ما أدى في نهاية المطاف إلى انخفاض الهجرة من نصف الكرة الشرقي بأكثر من 90%، ولم تُفتح الأبواب مجدداً على نطاق واسع إلا في أواخر الستينيات.
وخلال العقود الأخيرة، بلغت الهجرة مستويات استثنائية عالمياً، فوفق تقديرات الأمم المتحدة ارتفع عدد المهاجرين في العالم من 154 مليوناً عام 1990 إلى 304 ملايين في 2024، أي انه تضاعف تقريباً. وكانت الولايات المتحدة في مقدمة الدول المستقبلة للمهاجرين، تليها ألمانيا والسعودية وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا.
وليس الصراع حول الهجرة مجرد قصة عن دول غنية بيضاء ترفض مهاجرين من دول فقيرة، فقد غادر أكثر من 178 ألف مهاجر جنوب إفريقيا إلى دول إفريقية أخرى خلال الأشهر الأخيرة، كثير منهم تحت ضغط العنف الشعبي، كما أعادت إيران وباكستان، خلال عام 2025 وحده، أكثر من مليون أفغاني إلى بلادهم. وتشدد جمهورية الدومينيكان سياساتها تجاه المهاجرين واللاجئين الهايتيين، فيما تقاوم بنغلادش محاولات إعادة مهاجرين غير شرعيين إلى الهند.
لذلك، فإن تفسير مقاومة الهجرة على أنها مجرد تعبير عن العنصرية أو التعصب الديني يفوّت جوهر المسألة. الرسالة التي تتكرر في كل هذه الحالات واضحة: الحدود ستصبح أقل انفتاحاً في كل مكان.
في الولايات المتحدة، يقول مؤيدو الهجرة إن انخفاض معدلات المواليد يجعل البلاد بحاجة إلى مزيد من العمال المهاجرين، لكن هذه الحجة تصبح أقل إقناعاً مع التوسع السريع في الأتمتة والذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، إذا أرادت أميركا الحفاظ على موقعها في الثورة التكنولوجية فإنها ستظل بحاجة إلى المهاجرين من العلماء ورواد الأعمال وأصحاب المهارات التقنية، كما أن طموح المهاجرين الأقل مهارة واستعدادهم للعمل يظل عاملاً مهماً في النمو الاقتصادي.
السؤال بالنسبة إلى الأميركيين هو كيف نبني سياسة هجرة عقلانية وإنسانية وقابلة للاستمرار سياسياً.
وربما يتطلب ذلك تغيير الإطار القانوني الحالي. يمكن تحديد سقف إجمالي لأعداد القادمين، بما في ذلك اللاجئون ومن تتم تسوية أوضاعهم بعد دخولهم بصورة غير قانونية، على أن ينخفض هذا السقف عندما ترتفع معدلات البطالة بين الأميركيين. ويمكن تخصيص نسبة من التأشيرات لأصحاب المواهب والمهارات الخاصة، مع منح مواطني دول نصف الكرة الغربي وأسر المواطنين الأميركيين أولوية أكبر.
لن تكون هذه أول مرة ينتهي فيها عصر عالمي للهجرة الجماعية، ففي عام 1900 كانت الهجرة في معظم أنحاء العالم غير منظمة إلى حد كبير، لكن بحلول الحرب العالمية الثانية كانت معظم الدول قد أغلقت أبوابها أمام المهاجرين واللاجئين.
إن التحرك المعقول والمنظم للحد من الهجرة والسيطرة عليها اليوم قد يجنب العالم موجات القمع المفرطة، فضلا عن العنف الشعبي، التي شهدها في الماضي. لكن الوقت يضيق. والدول التي تفشل في التحرك بحكمة الآن ستواجه، على الأرجح، موجة ارتداد أقوى في المستقبل القريب.
والتر راسل ميد