حيّوا معي هذا الرجل... ثم اصنعوا غيره

نشر في 14-08-2026
آخر تحديث 13-08-2026 | 19:29
 أ.د. فهد عبد الرحمن الناصر

هناك رجالٌ لا يصنعون الضجيج... لكنهم يصنعون الحضور.

لا يرفعون أصواتهم، ولا يتسابقون إلى العناوين، ومع ذلك، ما إن تبدأ أزمة، أو يتغير المشهد السياسي، حتى تجدهم جالسين أمام كاميرات العالم، يتحدثون بثقة، فينصت لهم الملايين.

وهنا تحديداً تتغير قيمة الكلمة، فهي لم تعد مجرد رأي، بل أصبحت جزءاً من معركة الوعي والرواية.

خلال الأيام الماضية، وبينما تعيش المنطقة واحدة من أكثر مراحلها حساسية، كان هناك اسم كويتي يتكرر بهدوء على شاشة CNN العالمية وغيرها من القنوات الفضائية... إنه الدكتور بدر السيف.

حضوره ليس مجرد ظهور إعلامي عابر، بل حضور يلفت الانتباه، هدوءٌ في الطرح، ورصانة في التحليل، ولغة إنكليزية رفيعة، وقدرة على تبسيط أكثر الملفات السياسية تعقيداً دون أن يفقدها عمقها. لم يكن يتحدث بصفته ضيفاً يبحث عن مساحة للظهور، بل بصفته أكاديمياً يعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن كل جملة تُقال أمام جمهور عالمي تسهم في تشكيل صورة بلدٍ بأكمله.

وهنا أطرح سؤالاً: لماذا كلما برز كويتيٌ متميز تعاملنا معه على أنه حالة استثنائية، بينما تتعامل الدول المتقدمة مع أمثاله باعتبارهم مشروعاً وطنياً؟

فالدكتور بدر السيف ليس مجرد أستاذٍ للتاريخ في جامعة الكويت، ولا مجرد باحثٍ متخصص في شؤون الخليج والعلاقات الدولية، بل هو نموذجٌ أكاديمي جمع بين العمق العلمي، والقدرة على التحليل، وإتقان لغة العالم، وفهم طبيعة الإعلام بالدول، فالعالم لا يمنح شاشاته لمن يرفع صوته، بل لمن يرفع مستوى طرحه.

الكويت تزخر بالأكاديميين والباحثين والخبراء في السياسة والاقتصاد والطاقة والقانون والتاريخ والعلاقات الدولية. لدينا أسماء لا تقل علماً ولا خبرة عن كثير من الوجوه التي تتصدر الشاشات العالمية، لكن الفارق أن تلك الدول لا تترك كفاءاتها للمصادفة، بل تصنع لها الطريق، وتؤهلها، وتدفع بها إلى المنصات التي تستحقها.

وهنا يكمن الفارق... ففي الوقت الذي تعمل فيه دول كثيرة على إعداد متحدثيها الرسميين وغير الرسميين، وتستثمر في تدريب أكاديمييها وباحثيها على الظهور الإعلامي، ما زلنا نترك الأمر للمبادرات الفردية والاجتهادات الشخصية، حتى إذا برز اسمٌ كويتي عالمياً، اكتفينا بالقول: «ما شاء الله... نفتخر به».

ولو كنت مسؤولاً عن هذا الملف لما كان أول ما أفكر فيه تكريم د. بدر السيف، فالتكريم مستحق، لكنه ليس الإنجاز الأكبر.

الإنجاز الحقيقي أن نطلب منه أن يقود مشروعاً وطنياً لصناعة جيلٍ جديد من المتحدثين الكويتيين يحملون الرواية الكويتية إلى المنصات الدولية بثقةٍ ومهنيةٍ ورصانة.

فالدول الذكية لا تنتظر ظهور النماذج المتميزة، بل تصنعها، ونحن لا نحتاج إلى متحدثٍ واحد... نحتاج إلى عشرات، بل مئات.

الكويت ليست فقيرة في العقول، بل غنية بها إلى حدٍّ يدعو للفخر، لكن الثروة التي لا تُستثمر... تبقى مجرد أرقام.

back to top