ترويدة: ديموقراطية الغرب العرجاء

نشر في 14-08-2026
آخر تحديث 13-08-2026 | 19:41
 هديل رشاد

تُواجه المنظومة الأخلاقية للديموقراطيات الغربية اختبارًا تاريخيًا حرجًا يعيد رسم حدود الحريات العامة، لاسيما حرية التعبير التي طالما اعتُبرت ركيزة أساسية في الفكر الليبرالي، ومع تصاعد الحراك الشعبي العالمي الداعم للقضية الفلسطينية، برزت ظاهرة يطلق عليها الحقوقيون «الاستثناء الفلسطيني»، حيث تبدو القوانين والمبادئ الإنسانية مرنة وقابلة للتأويل، إلّا عندما يتعلق الأمر بنقد السياسات الإسرائيلية، أو إعلان التضامن مع الشعب الفلسطيني.

وتتجسد هذه الازدواجية في الحادثة الشهيرة للموظفة الأميركية أريانا هاملتون، التي فُصلت من عملها فورًا من أحد مطاعم الوجبات السريعة في ولاية بنسلفانيا الأميركية، لمجرّد قولها «فلسطين حرّة» في وجه مستوطن ومغنٍ أميركي - إسرائيلي.

هذا الإجراء التعسُّفي، الذي بُرِّر تحت غطاء مكافحة «معاداة السامية»، يمثّل نموذجًا صارخًا لكيفية توظيف النفوذ المؤسسي لقمع الأصوات الحرّة، ومحاصرة أي وعي جماهيري نامٍ يرفض رواية الاحتلال.

وهنا تكمن المفارقة الأبرز في اتساع الفجوة بين الموقفين الرسمي والشعبي في الغرب، ففي الولايات المتحدة الأميركية، الحليف الأبرز للكيان المحتل، أظهر استطلاع غالوب تحولًا لافتًا في مواقف الأميركيين، إذ ارتفعت نسبة من يتعاطفون مع الفلسطينيين إلى 41 بالمئة، مقابل 36 بالمئة مع الإسرائيليين، للمرة الأولى منذ بدء هذا المؤشر دون تقدُّم إسرائيلي في التعاطف، ويصبح التحول أكثر وضوحًا بين أوساط الشباب، حيث بلغت نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين 53 بالمئة مقابل 23 مع الإسرائيليين.

أما في أوروبا، فتكشف استطلاعات أجرتها شركة يوجوف (YouGov) عن تراجع واضح في النظرة الإيجابية إلى الكيان المحتل، إذ تراوحت الآراء السلبية تجاه إسرائيل في عدد من الدول الأوروبية بين 63 و70 بالمئة، فيما لم تتجاوز نسبة من اعتبروا العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ردًا متناسبًا بين 6 و16 بالمئة.

ختامًا...

هذه الأرقام لا تعني أن الحكومات الغربية غيّرت سياساتها، لكنها تكشف أن الوعي الشعبي يتحرك في اتجاه مختلف، حتى أضحت فلسطين اختبارًا حقيقيًا لحرية التعبير، بل وكانت ورقة التوت الأخيرة التي سقطت، فكشفت زيف الغرب الذي قضّ مضاجعنا لعقود بحديثه عن الديموقراطية، قبل أن يتضح لنا أنها ديموقراطية عرجاء، انتقائية ومنحازة بالكلية إلى منظومة تسوّق جرائم الإبادة الجماعية على أنها دفاع عن النفس!

* صحافية وكاتبة فلسطينية

back to top