نمط... نمط... نمط
لحظة... لا تُكمل. شدَّك العنوان؟ أم شدَّك تكرار كلمة «نمط»؟ على أي حال، بما أنك وصلت إلى هنا، دعني أستثمر هذا الفضول بسؤالٍ واحد: وكونك خليجياً، كيف تتخيل شكل الخليج بعد نصف قرن؟ لا أقصد الأبراج الأعلى، ولا المدن الأذكى، ولا السيارات ذاتية القيادة، بل أقصد الإنسان... والقرار... والهوية... والمكانة. بعد خمسين عاماً، لن يكون السؤال: كم بلغ سعر برميل النفط؟ بل: هل استطاعت دول الخليج أن تتحوَّل من لاعبٍ يتفاعل مع الأحداث... إلى لاعب يصنعها؟ فالمنطقة لم تعد تتحرَّك بإيقاع الأمس. موازين القوى تتبدَّل، والتحالفات يُعاد تشكيلها، والاقتصاد العالمي يكتب قواعد جديدة، والذكاء الاصطناعي أصبح أحد عناصر القوة والسيادة والتأثير. ويُنسب إلى بيتر دراكر قوله: «أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي صناعته». ولعلها تختصر التحدي الخليجي، فالتاريخ لا يكافئ مَنْ يملك الموارد فحسب، بل مَنْ يُحسن توظيفها، ولا ينحاز لمَنْ ينتظر المستقبل، بل لمن يصنعه.
بعد نصف قرن، لن تُقاس هيبة الدول بعدد ناطحات السحاب، ولا بحجم الاحتياطيات المالية، بل بقدرتها على حماية قرارها، وصناعة المعرفة، وبناء اقتصاد منتج، والمحافظة على هويتها، والاستثمار في الإنسان.
ومن هنا، أرى أن مستقبل الخليج يحتاج إلى تحالفٍ خليجي أكثر عمقاً، يتجاوز التنسيق التقليدي إلى تكاملٍ حقيقي في الأمن، والاقتصاد، والتقنية، والغذاء، والمياه، والإعلام. فالمنطقة لا ينقصها المال والإمكانات، بل تحتاج إلى رؤية موحدة تسبق المتغيرات، لا أن تركض خلفها.
وربما لا يكتمل الحديث عن المستقبل من دون الحديث عن الإنسان الخليجي نفسه. فقد انشغلنا، في سنوات الوفرة، بما هو أسهل وأقرب إلى العين، سيارة أحدث، منزل أكبر، سفر أكثر، ومظاهر رفاهية تتسع عاماً بعد عام. وليس في ذلك عيب، فالإنسان من حقه أن يستمتع بما أنعم الله عليه، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الكماليات من نعمة نملكها إلى نمط حياة يملكنا. أن نعرف آخر أسعار السيارات، أكثر مما نعرف ما يحدث في التعليم والتقنية والاقتصاد، وأن ننشغل بما نشتريه، أكثر مما ننشغل بما نبنيه.
الأوطان لا تُبنى بالاستهلاك وحده، ولا تُحمى بالأموال وحدها. نحتاج إلى مجتمع يرى أن تطوير الإنسان، وجودة التعليم، واحترام العمل، والإنتاج، والبحث، والوعي، مسؤولية مشتركة، وليست مسؤولية الحكومة وحدها. فالوطن القوي لا يُقاس بما يقدمه لمواطنيه، بل بما يستطيع مواطنوه أن يقدموا له عندما تتغيَّر الظروف.
قد لا نحتاج إلى التخلي عن رفاهيتنا، بقدر ما نحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياتنا، أن نستمتع بما نملك، من دون أن ننسى ما يجب أن نبني، وأن ننتقل من مجتمعٍ يستهلك المستقبل إلى مجتمع يشارك في صناعته، لأن الخطر لا يأتي دائماً على هيئة أزمة واضحة، أحياناً يأتي على هيئة اعتياد طويل يجعلنا لا نشعر بأن العالم يتغيَّر من حولنا. الأمم لا تسقط فجأة، بل تتآكل عندما تعتاد النمط، النمط في التفكير، والنمط في الإدارة، والنمط في انتظار الحلول من الخارج. أما المستقبل، فلا يمنحه التاريخ لمن ينتظر، بل لمن يصنعه. ويبقى السؤال... بعد نصف قرن، هل سيقول أحفادنا إننا كنا الجيل الذي غيَّر المسار، أم الجيل الذي اعتاد النمط حتى أصبح جزءاً منه؟ ففي سباق المستقبل، ليست المشكلة فيمن يملك أكثر، بل فيمن يصحو أولاً.