تكلم حتى أراك
لا تمنحك الكلمات القدرة على التعبير فقط بل تكشف حقيقتك دون أن تشعر، فاللسان هو أكثر ما يفضح ما يسكن القلب والعقل، ولذلك قيل «تكلم حتى أراك»، لأن الإنسان يُعرف من حديثه أكثر مما يعرف من مظهره.
قد يخدعنا حسن الهيئة أو هدوء الطبع فنرسم صورة جميلة لشخص لم نتحدث معه بعد وما أن يبدأ بالكلام حتى تتكشف أخلاقه ومستوى وعيه وطريقة تفكيره فيتبدل الانطباع في لحظات.
الكلمة ليست حروفاً عابرة بل عنوان للتربية ومرآة للقيم، فمن خلالها يظهر التواضع والرحمة والاحترام كما يظهر الكبر والحسد وسوء الخلق.
ومن أكثر ما يكشف حقيقة الإنسان أن يجعل حديثه مجالس الناس فينقل هذا ويذكر ذاك ويخوض في الغيبة والنميمة وكأنه لا يدرك أن ما يخرج من لسانه لا يصف الآخرين بقدر ما يصفه هو ويكشف معدنه وأدبه.
فالإنسان الراقي إذا جلس مع الناس حفظ أعراضهم وإذا اختلف معهم حفظ كرامتهم وإذا غابوا صان أسماءهم، أما من اعتاد تتبع العيوب ونقل الكلام وإشعال الخلافات فإنه يكشف بنفسه ضيق أفقه وضعف أخلاقه مهما أحسن اختيار ألفاظه.
وتزداد قيمة الإنسان حين يكون لسانه نظيفاً كما يكون قلبه نقياً فلا يجرح ولا يسيء ولا ينقل حديثاً يفسد العلاقات لأن الكلمة قد تبني جسوراً من المودة وقد تهدم سنوات من الثقة في لحظة واحدة.
لذلك لا تجعل حديث الناس شغلك ولا أخطاءهم مجالسك واجعل كلماتك شاهدة لك لا عليك، فالكلام يبقى بعد رحيل صاحبه ويترك أثراً قد يمتد عمراً كاملاً، واللسان إما أن يكون طريقاً إلى رفعة صاحبه أو سبباً في سقوطه.