بدون مجاملة: التصورات والتوقيت
نحن نعيش في دائرة الوقت، كل شيء يحدث ويدور، كان وسيكون جميعه في إطار الزمان، وإن اختلف المكان وتعددت المواقف، والمشاعر، والأحوال. وطالما سمعنا الحقيقة البديهية بأن «الوقت هو الحياة».
الوقت مزدحم جداً، بأفعالنا وأفكارنا، وهو ماضٍ لا يتوقف، لا يتمهل، لا يستجيب لظرف أو عارض. الساعات تتلاحق ونحن على أوضاع عدة ولا نملك أدنى قدرة في السيطرة عليها، إنما على ما نقوم به، وما نعتقده.
ليس الوقت كله أعمالاً ومهام، فالنهار ينقضي ونحن نفكر، أو نمر بحالة من الخمول أو الحزن، أو نحتاج إلى الراحة والسكون، وتمر علينا ساعات ونحن نِيام، لذلك يرى البعض النوم أنه كالانتقال في الزمن. هذا الوقت تتدافع فيه تصورات كثيرة، تؤثر في رضانا حول أنفسنا، وتقييمنا لأدائنا، ومدى تفاعلنا مع الآخرين. فأحياناً وتبعاً لبعض الظروف، تجتاحك حالة شعورية، تحتاج وقتاً لتجاوزها، تريد العزلة، الهدوء، تفقد الشغف -وهي أمور طبيعية- لكن البعض يصفعه تصوّر أن هذا كسل وانهزامية! فلا يسمح لنفسه بالتعامل مع هذه الحالة، ويجرها إلى -كأن لم يكن-! ولهذا مردود سلبيٌ خطر.
تصلك رسالة تهمك وأنت غارق في أمور كثيرة، أحياناً تصوغ الردود في ذهنك، لاحقاً تبدأ بكتابتها فعلياً لكنك لست مقتنعاً بها، حتى تجد اللحظة أن تجلس أخيراً بذهن صافٍ لترسل الرد. يتصوّر المرسل أنك غير مبالٍ، بيد أن التأخير الذي وقع منك كان لحرصك المفرط حقيقة!
يقع لصديقك ظرف صعب، ظروف العمل أو الأسرة ظروف صحية، والأشد صعوبة حالة وفاة لفرد مُقرّب. تلك فاجعة قد تجعل كلمات المواساة تتطاير منك، فلا تجد إلا عبارات التعزية والدعاء. قد يتم مجلس العزاء في وقت لا يلائمك، أنت مرهق، لديك موعد لا يحتمل التأجيل، بل أنت متوتر من لقاء صديقك تحت وطأة هذا الحدث! التصّور السائد بأن التواجد وقت الحزن هو المقياس النهائي لصدق العلاقة!
لأن الوقت لا يخضع لأحكامنا ولا مزاجنا، ولا احتياجنا ولا ظروفنا، فنحن مطالبون بمراجعة تصوراتنا، في أن نتعاطف مع أنفسنا، وأن نقدّم حسن الظن بالآخرين، أن نتقبل حالات الضعف، أن نتفهم التأجيل، أن نتسامح مع التقصير، أن نتعايش مع التباين، وأن نحرص على الخير، وأن نُعجّل البر، ونسارع إلى المعروف.
لا يوجد توقيت مثالي، والكثير من تصوراتنا خاطئ.
«اللهم أصلح بالنا وحالنا وعاقبتنا في الأمور كلها».