وجهة نظر: الذكاء الاصطناعي... فاتورة التريليونات تقترب
استثمارات هائلة وأرباح لم تصل بعدُ
قد يصبح الذكاء الاصطناعي أهم تكنولوجيا عامة منذ اختراع الكهرباء، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الاستثمارات الحالية في الذكاء الاصطناعي ستثبت أنها استثمارات جيدة.
فقد أحدثت السكك الحديدية تحولاً في الاقتصادات، لكنها في الوقت نفسه أفلست مستثمرين، وغيّرت شركات الطيران طريقة السفر، لكنها دمّرت رأس المال لعقود، كما غيّر الإنترنت الحضارة، لكنه خلّف وراءه مقابر لشركات الاتصالات والتكنولوجيا.
فالأهمية التكنولوجية والعوائد الاستثمارية ليستا الشيء نفسه. وهذه الحقيقة تكتسب أهمية متزايدة مع انتقال طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي من وادي السيليكون إلى الاقتصاد الأوسع.
ومن المتوقع أن تنفق أكبر أربع مجموعات تكنولوجية أميركية — أمازون ومايكروسوفت وألفابت وميتا — نحو 745 مليار دولار على النفقات الرأسمالية في عام 2026، بعدما أنفقت مجتمعة أكثر من 1.1 تريليون دولار منذ بدء طفرة الذكاء الاصطناعي التوليدي. ومما لا شك فيه أن التكنولوجيا تتقدم بسرعة استثنائية، لكن اقتصادياتها لا تزال أقل وضوحاً بكثير.
التبني لا يعني تحقيق الأرباح
وجد مسح عالمي أجرته ماكينزي في عام 2025 أن 88 في المئة من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل من وظائف أعمالها، وقد يبدو ذلك تحولاً جذرياً، لكن التعمق في الأرقام يرسم صورة مختلفة.
فـ39 في المئة فقط أفادت بوجود تأثير على الأرباح قبل الفوائد والضرائب على مستوى المؤسسة، ومن بين تلك الشركات قالت الغالبية إن الذكاء الاصطناعي لم يسهم بأكثر من 5 في المئة من هذه الأرباح، كما أن نحو ثلثي المؤسسات لم تبدأ بعد في توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي على مستوى الشركة بأكملها. لكن هذا الفارق نادراً ما يصمد أمام العناوين الإعلامية.
فالمستخدم ليس بالضرورة عميلاً يدفع المال. والمشروع التجريبي الناجح ليس بالضرورة تحولاً مؤسسياً. والإيرادات ليست أرباحاً. والإعلان عن استثمار لا يعني أن رأس المال قد وُظّف فعلياً. والفوز في اختبار معياري لا يعني تحقيق عائد على رأس المال المستثمر. كما أن العرض التكنولوجي المذهل لا يعني بالضرورة وجود نموذج أعمال مذهل.
في عام 2024، طرح ديفيد كان، من شركة سيكويا كابيتال، ما سماه «سؤال الـ 600 مليار دولار» حول الذكاء الاصطناعي: من أين ستأتي الإيرادات الكافية لتبرير هذا الاستثمار الضخم في البنية التحتية من الناحية الاقتصادية؟ وبعد عامين، يبدو أن السؤال أصبح أكبر، بدلاً من أن يختفي.
تجربة «أوبن إيه آي» مهمة
هناك أيضاً سبب يدعو القراء إلى التدقيق بدرجة أكبر في الروايات التي تأتي من القطاع نفسه. في 17 نوفمبر 2023، أقال مجلس إدارة شركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان.
وكان التفسير الرسمي لافتاً، فقد قالت الشركة إن ألتمان «لم يكن صريحاً بصورة متسقة في اتصالاته مع مجلس الإدارة»، بما أعاق قدرة المجلس على أداء مسؤولياته، وإن أعضاء المجلس فقدوا الثقة به.
ولم يكن هؤلاء مجرد منتقدين مجهولين، بل كان المجلس يضم إيليا سوتسكيفر، الشريك المؤسس وكبير العلماء في «أوبن إيه آي»، وآدم دانجيلو، الرئيس التنفيذي لشركة «كورا» والمدير التنفيذي السابق في «فيسبوك»، ورائدة الأعمال في مجال التكنولوجيا تاشا مكولي، وهيلين تونر من مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة في جامعة جورجتاون.
وبعد خمسة أيام فقط، وتحت ضغط استثنائي من الموظفين والمستثمرين، عاد ألتمان إلى منصبه، فيما استُبدل معظم أعضاء مجلس الإدارة.
وفي وقت لاحق، أجرى مكتب ويلمر هيل تحقيقاً راجع أكثر من 30 ألف وثيقة، وأجرى عشرات المقابلات، وخلص التحقيق إلى حدوث انهيار حقيقي في الثقة بين ألتمان ومجلس الإدارة السابق، لكنه رأى أن سلوكه لم يكن يستوجب إقالته، والأهم أنه وجد أن البيان العلني الأصلي للمجلس وصف بدقة قراره وأسبابه. وفي نهاية المطاف، أعلن مجلس الإدارة الجديد ثقته الكاملة بقيادة ألتمان.
ولا يمثل ذلك دليلاً على أن ألتمان كذب على المستثمرين، ولا ينبغي تقديمه على هذا النحو. لكن القضية تبيّن شيئاً أكثر أهمية.
فعندما تجتمع الطموحات التكنولوجية الاستثنائية، والقيادة الكاريزمية، ورؤوس الأموال الضخمة، ومحدودية الإفصاح العام داخل شركات خاصة، تصبح الرقابة المستقلة أمراً ضرورياً.
لذلك ينبغي للقراء أن يطرحوا سؤالاً بسيطاً كلما واجهوا الإعلان المقبل المذهل في مجال الذكاء الاصطناعي: من الذي أنتج هذا الرقم؟ ومن الذي تحقّق منه بصورة مستقلة؟
المخاطر تنتشر
في الوقت نفسه فإن الانكشاف المالي يتجاوز تدريجياً مساهمي شركات التكنولوجيا.
فقد حدد محللو غولدمان ساكس نحو 1.5 تريليون دولار من التزامات الإيجار لدى مشغلي مراكز البيانات الضخمة، يتعلق نحو تريليون دولار منها بعقود إيجار لم تبدأ بعد، وبالتالي لا تظهر كالتزامات تقليدية في البيانات المالية.
بموازاة ذلك، اقتربت التزامات الشراء لدى شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى من 1.5 تريليون دولار أخرى، وتشمل الرقائق، والقدرات الحاسوبية، والبنية التحتية لمراكز البيانات، وعقود الكهرباء، وبعضها يمتد لعقود مقبلة.
وهذا يغيّر طبيعة طفرة الذكاء الاصطناعي، إذ يمكن أن تنتقل المخاطر عبر عقود الإيجار، والائتمان الخاص، وصناديق البنية التحتية، وعقود الطاقة، ثم في نهاية المطاف إلى رؤوس أموال صناديق التقاعد وشركات التأمين.
والأهم أن الذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى الفشل حتى تخيب بعض هذه الاستثمارات الآمال.
فالمنافسة وحدها قد تكون كافية. وإذا أصبحت النماذج الأكثر تطوراً أرخص تكلفة، فقد يستفيد العملاء بصورة هائلة، في حين تواجه الشركات التي توفر هذه النماذج صعوبة في تحقيق عوائد استثنائية. وهذا ليس أمراً غير مسبوق، فقد خلقت شركات الطيران قيمة هائلة للمستهلكين، لكنها تاريخياً قدمت نموذجاً اقتصادياً صعباً بالنسبة إلى المستثمرين.
وماذا لو نجح الذكاء الاصطناعي؟
إذا خيّب تبني الذكاء الاصطناعي الآمال فإن المستثمرين يواجهون خطر الإفراط في الاستثمار بالبنية التحتية، أما إذا نجح الذكاء الاصطناعي بصورة استثنائية، فتصل فاتورة أخرى: الطاقة.
وتقدّر وكالة الطاقة الدولية أن مراكز البيانات استهلكت نحو 415 تيراواط/ساعة من الكهرباء في عام 2024، وتتوقع أن يتجاوز الاستهلاك الضعف ليصل إلى نحو 945 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030، مع كون الذكاء الاصطناعي المحرك الأكبر لهذه الزيادة.
وفي الولايات المتحدة، تتوقع الوكالة أن تمثل مراكز البيانات ما يقرب من نصف الزيادة في الطلب على الكهرباء حتى عام 2030.
وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي يواجه فاتورتين. إذا خيّب التبني الآمال فهناك فاتورة رأسمالية. وإذا نجح التبني فهناك فاتورة للبنية التحتية والطاقة.
ولا يعني أي من ذلك أن الذكاء الاصطناعي فقاعة، كما لا يعني أن التكنولوجيا ستفشل، لكن لا ينبغي أيضاً إخفاء هذه الحقائق تحت سيل الإعلانات المذهلة التي تحيط بالذكاء الاصطناعي بصورة شبه يومية.
علينا أن نحتفي بالاختراقات الحقيقية، وأن نستثمر في الابتكار، فالذكاء الاصطناعي قد يغير بالفعل مجالات الطب والتعليم والعلوم والتصنيع والإنتاجية.
لكن الثورات التكنولوجية لا تلغي قوانين الاقتصاد.
فلا يزال لرأس المال تكلفة، والأصول تفقد قيمتها، والمنافسة تضغط على هوامش الأرباح، والديون يجب سدادها، والكهرباء يجب توليدها، وفي نهاية المطاف يجب أن تتحول الإيرادات إلى تدفقات نقدية.
قد يغيّر الذكاء الاصطناعي العالم، لكن ذلك لا يثبت أن الاستثمارات الحالية ستدر العوائد التي يجري الوعد بها اليوم.
الفاتورة تقترب من موعد استحقاقها، والسؤال هو: من سيدفعها في نهاية المطاف؟
* الرئيس التنفيذي لشركة دو كابيتال في سي، ومحاضر زائر في ريادة الأعمال، ومؤسس الغرفة الإسلامية العالمية للتجارة والصناعة عبر الإنترنت، وهو أيضاً متحدث عالمي في مجالات الاستراتيجية وتطوير الشركات الناشئة، ويُعرف برؤاه في الاقتصاد وبناء منظومات أعمال مبتكرة، وأخلاقية، وقابلة للتطوير.