ثقافة العمل الحُر... حرية بلا أمان؟
لم يعد السؤال الذي يواجه الإنسان في سوق العمل اليوم «أين ستعمل؟»، بل أصبح أكثر عُمقاً: «كيف تريد أن تعمل؟».
جيل جديد لا ينظر إلى المكتب بوصفه قدراً، ولا إلى الوظيفة التقليدية باعتبارها الطريق الوحيد للاستقرار، يريد أن يختار وقته، ومكانه، ومشاريعه، وأن تتحول مهارته إلى مصدر دخل من دون أن يظل أسيراً لساعات العمل الثابتة.
هكذا تمددت ثقافة العمل الحُر، وأصبح «الفريلانس» جزءاً من مشهد اقتصادي واجتماعي يتشكل أمام أعيننا. لكن خلف هذه الحُرية سؤال لا يمكن تجاهله: هل يمكن أن يكون الإنسان حُراً في عمله، من دون أن يصبح قلقاً على مستقبله؟
لا شك في أن العمل الحُر فتح أبواباً واسعة أمام الشباب، منحهم فرصة لدخول السوق بمهاراتهم، لا بشهاداتهم فقط، وسمح لهم ببناء خبرات متنوعة، والعمل مع جهات متعددة، وتنويع مصادر دخلهم، وربما تحويل هواية أو موهبة إلى مهنة حقيقية، والأهم أنه غيَّر الفكرة القديمة عن النجاح، فلم يعد النجاح بالضرورة مكتباً ثابتاً وبطاقة وظيفية وراتباً يأتي في نهاية كل شهر، لكن الحُرية المهنية لها وجه آخر. فالمستقل قد يملك حُرية اختيار مشروعه، لكنه لا يملك دائماً ضمان المشروع التالي، وقد يتحرَّر من مديرٍ واحد، ليجد نفسه أمام عملاء متعددين ومواعيد متلاحقة. وقد ترتفع مداخيله في شهر، ثم تتراجع في شهرٍ آخر. ومع مرور السنوات، تظهر أسئلة أكثر قلقاً: ماذا عن الادخار؟ ماذا عن التأمين؟ ماذا عن فترات التوقف؟ وماذا يحدث عندما تتراجع القدرة على العمل؟ هنا ينبغي ألا يتحول النقاش إلى مقارنة سطحية بين الوظيفة و«الفريلانس». القضية أعمق، إنها تتعلق بإعادة تعريف الأمان الوظيفي نفسه. فالأمان لم يعد بالضرورة أن يجلس الإنسان في المكتب ذاته ثلاثين عاماً، وربما لم تعد الوظيفة الواحدة قادرة وحدها على أن تمنح الأمان الذي كانت تمنحه للأجيال السابقة.
الأمان الجديد قد يكون في امتلاك مهارة مطلوبة، والقدرة على التعلُّم المستمر، وتعدُّد مصادر الدخل، ووجود منظومة تحمي الإنسان عندما تتعثر خطواته. ومن هنا تأتي مسؤولية المنظومة الاقتصادية والاجتماعية «أن تجعل العمل الحُر خياراً مهنياً مستداماً، لا ملاذاً اضطرارياً لمن لم يجد وظيفة». فالمستقل يحتاج إلى بيئة تحمي حقوقه التعاقدية، وتيسر وصوله إلى الخدمات الاجتماعية والتأمينية، وتساعده على تطوير مهاراته، وتمنحه أدوات أفضل للتخطيط المالي والمستقبلي. فالمستقبل لا يحتاج إلى إنسان يختار بين الحُرية والأمان، بل إلى منظومة تجعل الحُرية نفسها طريقاً إلى الأمان.
*كاتب سعودي