509 أُسر... هل أصبح الالتزام خطأ؟
القضية التي تشغل الرأي العام اليوم ليست مجرَّد نزاع قانوني حول مساكن الرعاية السكنية، وليست صراعاً بين الدولة والمواطن، بل هي اختبار حقيقي لمعنى العدالة التي قامت عليها دولة المؤسسات.
509 أُسر كويتية باعت منازلها، وسدَّدت كامل قروض بنك الائتمان، ثم انتقلت إلى بيوت الرعاية السكنية وفقاً للقانون رقم 29 لسنة 2015، الذي أتاح لها السكن بنظام حق الانتفاع مقابل إيجار رمزي.
لم يكن الأمر تحايلاً على القانون، ولا استغلالاً لثغرة، بل تم وفق إجراءات رسمية، وتحت إشراف الجهات المختصة، وبعقود مع المؤسسة العامة للرعاية السكنية.
اليوم، وبعد سنوات من الاستقرار، تجد هذه الأُسر نفسها أمام شبح الإخلاء، نتيجة إلغاء المادة 29 مكرر، بالقانون رقم 83 لسنة 2025، وسط مخاوف من تطبيق الإلغاء بأثر يمس أوضاعاً استقرت قانونياً وإنسانياً.
القوانين يجب أن تُحترم، لكن احترام القانون لا يقتصر على نصوصه الجديدة، بل يشمل أيضاً حماية المراكز القانونية التي نشأت في ظل قوانين سابقة. فالدولة التي تمنح حقاً للمواطن، ثم تسحبه بعد سنوات من دون معالجة عادلة، تهز الثقة في استقرار التشريعات، وتفتح باب القلق أمام كل مواطن التزم بالقانون.
المسألة ليست أن هذه الأُسر تبحث عن امتيازٍ جديد، بل تطالب بعدم هدم حياة بُنيت على قرارات رسمية. كثير منهم أنفق من ماله الخاص على ترميم المنازل وتجهيزها، وربَّى أبناءه فيها، وربط مستقبله بها. فالبيت ليس جدراناً وأسقفاً، بل ذاكرة، وأماناً، واستقراراً اجتماعياً ونفسياً.
كما أن هذه الفئة تضم أُسراً محدودة الدخل، وأرامل، ومطلقات، وذوي إعاقة، وأشخاصاً يصعب عليهم توفير بديل سكني في ظل الارتفاع الكبير في أسعار العقارات والإيجارات. لذلك، فإن أي معالجة لهذا الملف يجب أن تنطلق من البُعد الإنساني قبل أي اعتبارٍ آخر.
ولا شك في أن للدولة الحق في مراجعة سياساتها الإسكانية، لكن العدالة تقتضي التمييز بين مَنْ استغل القانون، وبين مَنْ التزم به بحُسن نية وفق أحكام نافذة وقتها. فليس من الإنصاف أن يتحمَّل المواطن وحده نتائج تغيُّر السياسات، فيما كان كل ما فعله أنه وثق بقرارات الدولة.
إن الحل لا يكون بالمواجهة أو الإخلاء الجماعي، بل بالحوار، ووضع حلول انتقالية عادلة، أو استثناء الحالات التي استقرت أوضاعها منذ سنوات، بما يحفظ هيبة القانون من جهة، ويحمي كرامة الإنسان من جهةٍ أخرى.
الكويت عُرفت دائماً بأنها دولة لا تترك أبناءها، وأن قيادتها كانت سبَّاقة في ترجيح الحكمة على التشدد، والإنصاف على الجمود.
اليوم، هذا الملف يحتاج إلى قرارٍ شجاع يُعيد الطمأنينة إلى 509 أُسر، ويؤكد أن العدالة ليست مجرَّد نصوص جامدة، بل قيمة راسخة تُقاس بقدرة الدولة على حماية مواطنيها، خصوصاً أولئك الذين وثقوا بها وساروا في الطريق الذي رسمه لهم القانون.
فالقضية في جوهرها ليست قضية 509 منازل، بل قضية 509 أُسر، و509 قصص، وتحديد مسستقبل هذه الأسر جميعاً، كل ذلك يستحق أن يُنظر إليه بعين العدالة والرحمة، لا بعين الإجراءات وحدها.