اتفاق مكة... وبداية معادلة ردع جديدة

نشر في 10-08-2026
آخر تحديث 09-08-2026 | 20:17
 محمد الجارالله

هناك اتفاقيات تغيّر الواقع، واتفاقيات تغيّر طريقة التفكير. وإذا كان من المبكر الحكم على نتائج اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، فمن المبكر أيضاً التقليل من أهميته، فالتحولات الكبرى لا تبدأ مكتملة، وإنما تبدأ بفكرة، ثم تتحول إلى مشروع، ثم إلى واقع.

هذا الاتفاق، في تقديري، لا ينبغي النظر إليه باعتباره معاهدة عسكرية فحسب، بل باعتباره بداية تفكير جديد في الأمن الإقليمي، يقوم على بناء معادلة ردع تعتمد على قدرات دول المنطقة، في عالم تتغير به التحالفات، وتُعاد فيه صياغة موازين القوى.

مكة... حين تتحدث الرموز

لم يكن اختيار مكة المكرمة مكاناً لتوقيع الاتفاق، ثم أداء قادة الدول الثلاث صلاة الجمعة في المسجد الحرام، مجرد تفصيل بروتوكولي، فمكة ليست مدينة كبقية المدن، بل هي القبلة التي تتجه إليها قلوب أكثر من ملياري مسلم، ولذلك حمل اختيارها رسالة تتجاوز السياسة إلى الوجدان الإسلامي، وأضفى على الاتفاق بعداً معنوياً لا تمنحه قاعات المؤتمرات ولا البيانات الرسمية.

ولعل الرسالة الأهم أن الاتفاق لم يخاطب العقول فقط، بل خاطب وجدان الشعوب الإسلامية أيضاً، وهي لغة تدركها الشعوب أكثر مما تدرك لغة البيانات السياسية.

تكامل يصنع قوة جديدة

ما يميز هذا الاتفاق أنه يجمع بين ثلاث ركائز مختلفة تتكامل فيما بينها، فالسعودية تمتلك ثقلاً اقتصادياً وسياسياً ومكانة روحية، إضافة إلى واحدة من أكبر الموازنات الدفاعية في العالم، وتركيا أصبحت من أبرز الدول الصاعدة في الصناعات العسكرية والتقنيات الدفاعية، أما باكستان فتمثل ثقلاً سكانياً وعسكرياً، وهي الدولة الإسلامية الوحيدة المالكة لقدرة ردع نووية. وفي الاستراتيجية، القوة لا تُبنى من تشابه القدرات، وإنما من تكاملها.

الردع... حتى لا تقع الحرب

قد يتساءل البعض: ضد من يتجه هذا الاتفاق؟ وفي تقديري ان السؤال الأدق ليس «ضد من؟»، وإنما «لمنع ماذا؟»، فالردع لا يعني البحث عن حرب، وإنما منعها. عندما يدرك أي طرف أن كلفة العدوان ستكون باهظة، يصبح السلام هو الخيار الأكثر عقلانية.

وهذا ليس مفهوماً جديداً، فبعد الحرب العالمية الثانية انقسم العالم إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) وحلف وارسو، ورغم استمرار الحرب الباردة لعقود، لم تقع مواجهة عسكرية مباشرة بين القوتين، لأن ميزان الردع جعل كلفة الحرب أكبر من أن يتحملها أي طرف.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم اتفاق مكة، فهو لا يبحث عن مواجهة، وإنما عن بناء قوة تجعل أي طرف يفكر ألف مرة قبل أن يهدد أمن المنطقة أو سيادة دولها.

من اتفاق إلى منظومة

أي اتفاق دفاعي لا يُقاس بما كُتب في وثائقه، وإنما بما يُبنى بعد التوقيع، فالنجاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول البنود إلى مؤسسات، من خلال إنشاء قيادة عسكرية مشتركة، وربط أنظمة الدفاع الجوي، وتأسيس مراكز للإنذار المبكر، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وإجراء مناورات دورية، والتوسع في التصنيع العسكري المشترك.

ولا يقل التكامل الاقتصادي أهمية عن التعاون العسكري، فالقوة العسكرية المستدامة تحتاج إلى اقتصاد قوي قادر على تمويلها، وصناعة متقدمة قادرة على تطويرها. وكل مشروع صناعي أو تقني مشترك يمثل استثماراً في أمن المنطقة قبل أن يكون استثماراً اقتصادياً.

وتنفق الدول الثلاث مجتمعة نحو 125 مليار دولار سنوياً على الدفاع، وإذا أُعيد توجيه هذا الإنفاق ضمن رؤية تكاملية، وتوزعت الأدوار بدلاً من تكرارها، فإن القوة الناتجة ستكون أكبر بكثير من مجموع قدرات كل دولة منفردة، فالمنطقة لا تحتاج إلى سباق تسلح جديد، وإنما تحتاج إلى حسن إدارة لما تملكه من إمكانات.

الردع... لا المواجهة

هذا الاتفاق ليس موجهاً ضد دولة بعينها، لكنه يبعث برسالة واضحة إلى كل من يفكر في تهديد أمن المنطقة.

وفي مقدمة مصادر القلق، ما يطرحه بعض أقطاب اليمين الإسرائيلي الحاكم من أفكار توسعية مرتبطة بما يُعرف بمشروع «إسرائيل الكبرى»، وهي طروحات تثير مخاوف مشروعة لدى كثير من دول المنطقة، وتفرض التفكير الجاد في بناء منظومات ردع قادرة على حماية السيادة والاستقرار.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يُفهم الاتفاق على أنه موجه ضد إيران إذا أعادت النظر في سياسة التدخل في شؤون الدول الأخرى، وتجاوزت نهج تصدير الثورة الذي ترك آثاراً عميقة في عدد من الدول العربية، وكانت سورية المثال الأكثر مأساوية على ذلك.

كما لا يمكن تجاهل التقارب الاستراتيجي الهندي الإسرائيلي في المجالات العسكرية والتقنية، في ظل التنافس التاريخي بين الهند وباكستان، وما تشهده العلاقات الإسرائيلية مع تركيا وعدد من الدول العربية من توترات مستمرة، وهي معطيات تجعل بناء توازن إقليمي أكثر أهمية من أي وقت مضى.

خطوة تستحق البناء عليها

إذا أثبت هذا الاتفاق نجاحه فإن توسيع دائرته سيكون تطوراً طبيعياً، فانضمام جمهورية مصر العربية، بما تمثله من ثقل بشري وعسكري وتاريخي، سيضيف بعداً استراتيجياً بالغ الأهمية، كما أن مشاركة دول مجلس التعاون الخليجي ستمنحه عمقاً اقتصادياً وسياسياً ودفاعياً يجعله أحد أهم أطر التعاون الإقليمي.

ولا يعني ذلك الاستغناء عن الشراكات الدولية، وإنما بناء قدرة ذاتية، بعد أن أثبتت الأزمات الأخيرة أن المظلات الأمنية الخارجية، مهما بلغت أهميتها، تبقى مرتبطة بحسابات أصحابها وأولوياتهم. وربما تبقى العلاقة الأميركية مع إسرائيل استثناءً تاريخياً في كثير من المحطات، وإن كانت هي الأخرى تشهد اليوم نقاشاً متزايداً داخل الولايات المتحدة حول حدود هذا الالتزام وطبيعته.

لقد آن الأوان لأن تدرس دول الخليج والدول العربية هذا النموذج بجدية، وأن تبحث في كيفية تطويره والبناء عليه.

قد ينجح هذا الاتفاق، وقد يواجه عقبات كما واجهتها تجارب كثيرة قبله، لكن مجرد انتقال التفكير من انتظار الحماية إلى بناء عناصر القوة يمثل تحولاً استراتيجياً بحد ذاته. وإذا نجحت هذه التجربة في الانتقال من الرمزية إلى المؤسسات، ومن التفاهم إلى التكامل، فقد يذكر المؤرخون أن مكة لم تشهد توقيع اتفاق دفاعي فحسب، بل شهدت بداية معادلة ردع جديدة، عنوانها أن السلام لا يحميه الضعف، وإنما تحميه القوة العاقلة.

*وزير الصحة الأسبق

back to top