اقتصاد المستثمر الأجنبي

نشر في 10-08-2026
آخر تحديث 09-08-2026 | 19:23
 عبدالله بن سالم السلوم

لعلّ مما يستوقف التأمل في هذه الحقبة أن التوجّه لم يعد مقتصراً على إنجاز المشاريع الكبرى فحسب، بل بات مقترناً بحضور شبه دائم لكبرى الشركات العالمية في غير واحد منها، وهو حضور يبعث برسالة واضحة إلى المستثمر الأجنبي بأن الكويت مقبلة على مرحلة تتّسع فيها دائرة الاستثمار في اقتصادها.

وشأنها شأن من سبقها إلى هذا المسار قبل سنوات، فالكويت ترحّب بالشراكات العالمية القادرة على توسيع نطاق مصالح مشتركة تتجاوز حدود التمويل إلى ما هو أبعد أثراً وأدوم قيمة.

ولا ريب أن الكويت تسعى إلى إعادة ترتيب علاقتها الاستثمارية مع الغرب، وأنها تفاوض —أحياناً بما يتجاوز حساب العائد الملموس على الاستثمار في حدوده المباشرة— لاستقطاب المستثمر الأجنبي وإعادة حضوره إلى المشهد الاقتصادي. وعلى الرغم مما تزخر به البلاد من كفاءات وطنية مشهود لها، فإن المسألة أعمق من مجرد توافر الخبرة والقدرة، إذ قد تكون الحاجة اليوم إلى إيصال رسالة أكثر فاعلية إلى المستثمر الأجنبي: أن البيئة الاستثمارية في الكويت لم تعد في ذلك المعزل الذي استقرّت فيه لعقود، وأن أبوابها تعاد صياغتها على نحو أكثر اتصالاً برأس المال العالمي.

ومن المهم هنا ألا يختزل طموح الكويت من تلك الشراكات في مجرد عائد استثماري، فالغاية الأبعد هي بلوغ قدر أكبر من الاستدامة الاقتصادية، وما حضور المستثمر الأجنبي إلا إحدى الاستراتيجيات المفضية إليها.

ولا شك أن كبرى الشركات الغربية تحمل رصيداً معتبراً من الإنجازات والخبرات المتراكمة، وتعمل وفق معايير حوكمية رسّختها الأسواق العالمية. 

غير أن من مقتضيات تلك الحوكمة ذاتها ألا تبنى استراتيجياتها على الطموح الاقتصادي للكويت، بل على ما يحقق لمساهميها عائداً استثمارياً مجدياً.

ومن هنا، فإن مشاركتها في اقتصاد ما زالت الريعية حاضرة في بنيته ستتجه، بطبيعتها، إلى حيث تتركز الفرص والعوائد، أي إلى الإنفاق العام، أو بعبارة أدق، إلى الإنفاق الحكومي.

وهنا مربط الفرس، إذ قد يجد متخذ القرار الاستثماري نفسه أمام إغراءين متلازمين: زخم إعلامي ذي صدى إقليمي، وعائد ملموس يبدو في ظاهره عظيماً، في حين قد لا ينسجم أثره البعيد مع الغاية الأسمى المتمثلة في بلوغ الاستدامة الاقتصادية.

وما يستحق التأمل أن هذا النوع من الشراكات قد يصنع حاجة إلى تكراره كي تتجدد قيمته الآنية ويستعاد أثره، غير أن البريق، مهما اشتد، لا يلبث أن يخفت إن لم يستند إلى أثر اقتصادي باقٍ.

وكبرى الشركات العالمية أدرى بطبيعة هذه المعادلة وأخبر بموازينها. ولعل المملكة العربية السعودية سبقت إلى التعامل معها بمنطق أكثر وضوحاً، حين وجّهت رسالتها إلى الشركات المستفيدة من إنفاقها العام بما مؤداه: «من يستهدف الإنفاق العام في المملكة، فليكن مقرّه الإقليمي في الرياض».

فكانت الغاية المباشرة من تلك الاستراتيجية جليّة: ألا يظل الإنفاق المحلي مولّداً للعائد خارج البلاد، بل أن يكون مدخلاً لاستقطاب المقرات الإقليمية إليها.

وهذا ما يفتح باب التأمل في موضع الاختلاف الحقيقي: فالاستراتيجية قد تتشابه، بينما تتباين الغايات.

ومن ثمّ، يصبح السؤال الأجدر بالطرح هو ما إذا كانت شراكاتنا الأجنبية، وإن اتخذت أدوات مألوفة ومجرّبة، تمضي فعلاً على نحو يحقق الغاية الكويتية المختلفة، أم أنها تستعير الاستراتيجية من دون أن تعيد تشكيلها بما يلائم مقصدها الأبعد.

فاللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رشداً..

back to top