عندما أسقطت غزة أقنعة النخب *
يحدثونك عن النخبة... نعم، تلك التي تسمّى نخبة في مجتمعاتنا. بعضهم يذيّل اسمه بـ «مفكر»، وآخر بـ «باحث»، وثالث بـ «محلل» أو محلل استراتيجي، أو «كاتب»، رغم أن الأخيرة مهنة واضحة تستطيع أن تتأكد منها ببحث بسيط دون معاناة تُذكر، حتى لو اختلفت مع توصيفهم بتلك الصفة التي ليست مرتبطة بفعل الكتابة فقط.
فقد كثرت الخربشات، بل ربما أصبحت شبيهة بكل شيء ينتج ويُمنح مسمى «عمل فني» والانحطاط ليس عند النخبة، فهو يبدو وكأنه قد طال كثيراً من المجالات الفنية والإبداعية، ولكن لنعود للنخبة، لأن ما تمرّ به ونمر به في أوطاننا اليوم لا يمكن إلّا أن يطرح السؤال الطبيعي أو العادي جداً، «أين النخب؟»، ففي كل المجتمعات والدول عندما تمرّ بمنعطفات أو أزمات يبرز دور النخب من المفكرين والباحثين ليسلّطوا الضوء أو يقدموا تحليلا يسهّل فهم اللحظة للمواطن العادي، وينير بعض الظلمات بين فيضانات التحليلات والصور المتساقطة أمامه بشكل يشبه السيل، مع خليط بما يصنع من قبل الذكاء الاصطناعي... يبرز الأمر بوضوح عندما يضيع المتابع في بحر الأخبار والتحليلات والمقالات، وكثير منها متضارب، وأكثرها قادم بلغات مختلفة إلا العربية، إلّا فيما ندر.
وإذا قمنا ببعض المراجعة، أو حتى بحث بسيط عن مصدر رزق هذا أو ذاك، وهذه أو تلك، من الذين يحملون لقب «مفكر» أو «محلل» أو «باحث»، ربما نفهم بعض أسباب الصمت، أو نفهم الكلام أكثر!
فهل أصبحت نخبتنا أضعف من أن تفهم وتفكك ما يجري؟ أم أنها تفهم جيداً، ولكنها تخشى أن تدفع ثمن ما تعرف؟ أم أن مصدر الرزق بات هو الآخر منتجاً للفكر ومحدداً لسقف «المفكر»؟ ومن يدفع للباحث يحدد له مساحة البحث، ومن يفتح الشاشة للمحلل يرسم له حدود التحليل، ومَن يمنح الجوائز والمنابر يحدد أحياناً حتى قاموس الكلمات المسموح بها، فقد قدّم كثير من الكتّاب والمفكرين والباحثين في الغرب استقالاتهم، أو خسروا مواقعهم ومداخيلهم وفرصاً أكاديمية ومهنية، لأنهم اختاروا موقفاً مبدئياً من حرب الإبادة على غزة، ومن الحرب على جنوب لبنان، ورفضوا الصمت أو الاختباء خلف عبارات ملتبسة تحفظ لهم مواقعهم وأرزاقهم. بعضهم واجه مؤسسات بلاده، وبعضهم اصطدم بجماعته الدينية أو القومية، وبعضهم دفع ثمناً حقيقياً فقط، لأنه قرر أن يسمّي الأشياء بأسمائها، فيما لا تزال قطاعات واسعة من نخبنا تبحث عن المفردة الآمنة والموقف الذي لا يُغضب ممولاً ولا سلطة ولا مؤسسة.
وينشغل كثير من نخبنا بالتعليق على الحدث بعد وقوعه بدلاً من محاولة قراءة ما وراءه وما بعده.
ربما لم تعد المشكلة في غياب النخبة، بل هي في اكتشافها بهذه اللحظة المفصلية في تاريخنا، فقد أسقطت غزة الأقنعة كلها وعرّت النخبة كما عرّت الكثيرين غيرها.
* يُنشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية