وجهة نظر: محمد صلاح... «علامة تجارية»
في عام 1984 أحدث انتقال الأسطورة الأرجنتيني دييغو مارادونا إلى نادي نابولي الإيطالي تحوّلاً جذرياً في اقتصاد المدينة، وغيّر بُعدها التسويقي والسياحي، محولاً إياها من مدينة تعاني الفقر والتمييز، مقارنة بشمال إيطاليا الغني، إلى وجهة عالمية بارزة في السياحة والتجارة، ومحققاً مداخيل مالية واستثمارات ضخمة امتدت أربعة عقود متتالية.
أما على مستوى النادي، فلم يتوقف الأمر عند ارتفاع القيمة السوقية والإعلامية للنادي بشكل غير مسبوق خلال فترة لعبه وبعدها، وزيادة عوائد مبيعات التذاكر والقمصان والعلامة التجارية المرتبطة بالنادي على نطاق عالمي، بل كسر مارادونا هيمنة أندية الشمال الاقتصادي والكروي على الألقاب، مما رفع أسهم الاستثمار الرياضي في الجنوب.
حينها، تجاوز مارادونا كونه ماكينة أهداف، ليصبح أحد أهم العناصر في صناعة كرة القدم، وهو «العلامة التجارية» أو «البراند»، وذلك لما امتلكه اللاعب من قاعدة جماهيرية ضخمة، وما تمكّن، بالفعل، أن يحققه كـ «براند» لصنّاعه ومستثمريه وللمدينة.
فور الإعلان الرسمي عن انضمام قائد المنتخب المصري واللاعب السابق في نادي ليفربول الإنكليزي، محمد صلاح، إلى نادي طرابزون سبور، تحولت الصفقة إلى حدث اقتصادي وتسويقي، مع الحديث عن عوائد مالية ضخمة للنادي خلال فترة قصيرة، إذ حقق سهم النادي التركي ارتفاعاً ملحوظاً في بورصة إسطنبول، تجاوز 6 بالمئة، في صفقة عُدّت من أبرز تعاقدات النادي على مدار تاريخه.
ولم يقتصر تأثير انتقال النجم المصري محمد صلاح إلى نادي طرابزون سبور التركي على الجانب الرياضي فقط، ولا على أداء أسهم النادي في بورصة إسطنبول، بل امتد سريعاً إلى الجانب التسويقي والجماهيري، حيث شهد النادي ارتفاعاً ملحوظاً في الإقبال على شراء القمصان والاشتراكات الموسمية منذ الإعلان عن الصفقة.
فوفق تقارير صحفية تركية، أحدث انضمام صلاح حالة من الحماس الكبير بين جماهير «طرابزون سبور»، إذ تمكّن النادي من بيع نحو 15 ألف قميص يحمل اسم اللاعب المصري خلال فترة قصيرة، مع توقعات بارتفاع الرقم إلى حوالي 25 ألف قميص، بعد استكمال طلبات الشراء المقدمة من الجماهير. وانعكس حضور صلاح على مبيعات تذاكر الموسم، حيث سجّل النادي إقبالاً كبيراً على الاشتراكات الموسمية التي بلغت نحو 17 ألف تذكرة قبل انطلاق المنافسات الجديدة، في مؤشر على التأثير الجماهيري الذي أحدثته الصفقة. إلى جانب جذب المزيد من المتابعين للنادي عبر منصة التواصل «فيسبوك»، ليتجاوز 2.2 مليون متابع، بزيادة 800 ألف في 24 ساعة فقط، إضافة إلى رفع قيمة العلامة التجارية للنادي عالمياً، فضلاً عن فتح الباب أمام النادي لجذب شركاء ورعاة جدد خلال الفترة المقبلة، مما ينعكس، في النهاية، على قيمته السوقية.
وبالتوازي مع ذلك، أعلنت الخطوط الجوية التركية تسيير رحلات مباشرة تربط بين القاهرة ومدينة طرابزون، على أن تنطلق أولى الرحلات يوم 11 الجاري (بعد غد)، بهدف استيعاب الإقبال المتوقع من الجماهير المصرية الراغبة في متابعة نجمها الأول عن قُرب، وبما وُصف بأنه «تثمين للمكانة الاستثنائية التي يحظى بها صلاح لدى الجمهور المصري والعربي، ورغبة في تسهيل حركة التنقل، وفتح المجال أمام أكبر عدد من محبيه لزيارة معقله الجديد».
هكذا تمت الصفقة، وهكذا تم تقدير المكاسب الاقتصادية لنادي صلاح الجديد، الذي ربما يكون آخر محطاته، وهكذا قد تنطلق ماكينة الأهداف من أقدام محمد صلاح مع أولى مبارياته مع الفريق الجديد، لكن الأكيد، أن مكاسب «طرابزون» لن تتوقف عند حدود الأهداف، أو حتى قفزات أسهمه في بورصة إسطنبول، أو المكاسب التجارية التي بدأ بالفعل في تحقيقها، ولكننا أمام تحوّل جذري في اقتصاد مدينة، تشهد الآن تغيُّراً في بُعدها التسويقي والسياحي يحدثه لاعب تجاوز كونه ماكينة أهداف، كما سيتجاوز الحديث عنه، على الأقل، هناك في «طرابزون»، أهدافه ومراوغاته وسرعته، أو حتى كعلامة تجارية أو «براند» عالمي يلتف حوله الجماهير ويشترونه ويحققون أرباحاً ومكاسب لصنّاعه ومستثمريه، بل كمورد اقتصادي جديد يصنع أهداف المدينة... وربما هيمنتها.