القوة الأميركية والمكابرة الإيرانية

نشر في 07-08-2026 | 17:41
آخر تحديث 07-08-2026 | 17:43
 د. محمد لطفـي

كنا قد قرأنا اقتراح وزير الخارجية الإيراني الأسبق، جواد ظريف، الذي رأى أن حل المعضلة يكمن في:

• إعادة إحياء الاتفاق النووي، أو بناء صيغة معدلة عنه، ترتكز على رفع العقوبات، مع تأسيس مجمع للحوار الإقليمي في منطقة الخليج لضمان حرية الملاحة وسلامة الإمدادات، دون تدخل عسكري خارجي.

• تحقيق توازن بين الردع والدبلوماسية، بالاعتماد على مبدأ “الخطوة مقابل الخطوة”، بحيث تخفف واشنطن من سياسة “الضغط الأقصى” وتتوقف عن التهديد العسكري، مقابل تقديم طهران ضمانات إضافية تتسم بالشفافية. غير أن هذه الطروحات، وإن اتسمت بدبلوماسية شكلية ورنانة، فإنها تستمر في تدوير المشكلة بدلاً من حلها؛ إذ تتجاهل سياسة “حافة الهاوية” التي تنتهجها طهران عمداً، وتغض الطرف عن استخدامها المضائق البحرية أوراقَ ضغطٍ استراتيجية، وعن تطويرها برنامجاً نووياً خارج أطر الردع الحقيقي.

إن المراهنة على النوايا الحسنة وتخفيف الضغوط عن النظام الإيراني لم يجلبا للمنطقة سوى مزيد من المماطلة وتكثيف أنشطة التخصيب، فضلاً عن تهديد خطوط الملاحة الدولية في مضيق هرمز وباب المندب. ولإرغام طهران على التخلي عن مكابرتها السياسية والإذعان لإنهاء تهديداتها بصورة تامة، يغدو من الضروري تجاوز هذه الحلول الجزئية والتركيز على استراتيجيات أكثر حزماً وفاعلية، تقطع الطريق أمام طموحاتها النووية، وتفرض حماية الممرات المائية الحيوية بقوة القانون الدولي والردع المباشر.

إن مشروع جواد ظريف، رغم محاولته إظهاره للعالم على أنه مشروع سلام معقول تتبادل فيه إيران المصالح مع الولايات المتحدة، يبقى ناقصاً؛ لأنه لا يبدد مخاوف دول الشرق الأوسط وقلقها من التهديدات الإيرانية، إذ لم يتطرق إلى إيجاد حلول بشأن اعتداءات الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، المنتشرة في العراق ولبنان واليمن، ولا إلى كيفية تخلي طهران عن دعمها لحركة حماس.

أما إذا تداعت الأمور إلى عودة الولايات المتحدة وإسرائيل إلى خيار المواجهة العسكرية مع إيران، فستكون اللعبة بين القوة الأمريكية والمكابرة الإيرانية لعبة “طول النفس”، تراهن فيها واشنطن على استنزاف العناصر المؤثرة في بقاء السلطة الإيرانية. فإما أن يتم تسليح فصائل مسلحة تخترق حدودها من كل حدب وصوب، أو تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل على دعم وتحفيز بعض المكونات داخل إيران للقيام بثورات مناهضة تقوض السلام الداخلي الهش، أو أن يقدم الحرس الثوري على تنفيذ انقلاب يستولي من خلاله على السلطة، وعندها قد تتجه الولايات المتحدة إلى استهداف البنى التحتية والعسكرية الإيرانية، مستفيدة من تفوقها العسكري الواضح.

ومن خلال آخر الأخبار بشأن قبول تفاهم بين الطرفين يقضي بإرجاء المواجهة العسكرية، وإذعان إيران لإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام الملاحة، يبدو أن الأمور قد اتجهت إلى هذا المنحى. لذلك أرى أن الولايات المتحدة، في الآونة الأخيرة، استغلت ما لديها من قوات بحرية وجوية وبرية للضغط عبر التلويح بإمكان السيطرة على الساحل الإيراني المطل على مضيق هرمز، بما يضمه من مدن ومرافئ وبوارج وقوارب وألغام وصواريخ ومستودعات للغاز والنفط والإمدادات، بوصفه حلاً سريعاً تفرضه الظروف السياسية والاقتصادية والانتخابية لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، الأمر الذي دفع إيران إلى وقف سياسة المماطلة في المفاوضات، والاكتفاء بما توصلت إليه مع الوسطاء من تفاهمات أولية، مع إدخال تعديلات عليها، شملت الجوانب التجارية والعسكرية والنووية والبالستية، حفاظاً على بنيتها التحتية.

عندها لا يسعنا إلا أن نقول: رحم الله معاناة شعوب المنطقة وقياداتها بعد طول عناء، في سعيها إلى حماية مصالحها بأسلوب سلمي واعٍ، عرّف الآخرين بحدوده فأوقفهم عندها.

 

 

back to top