في المرمى: فاتورة الولاء وثمن البقاء
حين اعتقد رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم السويسري جياني إنفانتينو أن المال قادر على حل كل شيء، بدا وكأنه اكتشف قانوناً جديداً في إدارة كرة القدم: قدّم المزيد من المنح، وستحصل على المزيد من الأيدي المرفوعة بالموافقة، هكذا ظهر مشروعه المثير للجدل ببيع جزء من حقوق بطولات الاتحاد الدولي، وعلى رأسها كأس العالم، إلى شركة استثمارية يتم تأسيسها وتعمل بعيداً عن الإدارة التقليدية للفيفا، وكأن بطولات كرة القدم وأبرزها البطولة الأشهر في العالم تحولت فجأة إلى أصل استثماري يبحث عن أفضل مشترٍ.
ولأن الإغراءات المالية كانت السلاح الأبرز لإقناع الاتحادات الفقيرة والمحتاجة، بدا في لحظة ما أن المشروع سيمر بسهولة، وأن الأصوات تُقاس بحجم الدعم أكثر مما تُقاس بحجم القناعة، لكن ما لم يحسب له حساباً أن المال قد يشتري التأييد في الاجتماع أو المشروع أو لنقل التصويت الأول، لكنه لا يضمن الولاء في الاجتماعات التصويتات التالية، ليقوم بإنهاء مشروعه مجبراً، إلا أن تراجع إنفانتينو عن مشروعه لم ينهِ الأزمة، بل فتح شهيّة خصومه، خصوصاً في أوروبا، الذين يبدو أنهم ضاقوا ذرعاً بمشهد الرئيس الذي يحتكر القرار، ويتصرف أحياناً وكأن الفيفا شركة خاصة لا منظمة تمثل أكثر من مئتي اتحاد وطني، وما كان يُقال همساً عن المركزية والانفراد بالسلطة، أصبح اليوم يُقال على الملأ، بل وتحول إلى مادة يومية للنقاش داخل أروقة الاتحاد الدولي وعلى صفحات الصحافة العالمية والسن النجوم الكرويين من مختلف أرجاء المعمورة.
ولعل أخطر ما كشفته الأيام الماضية لم يكن سقوط المشروع، بل ظهور الخلاف إلى العلن بين رئيس الفيفا وأمينه العام، في مشهد نادر في المنظمات الرياضية الدولية، ويعكس أن التصدعات لم تعد خارج الجدران، بل وصلت إلى المكاتب المجاورة لمكتب الرئيس نفسه، ولذلك لم يكن اجتماع كبار موظفي الفيفا قبل يومين، ولا البيان الذي شدد على وحدة الصف والثقة المتبادلة بين الرئيس والأمين العام والعاملين، سوى محاولة لإطفاء حريق بدأت رائحته تصل إلى الجميع، فالبيانات عادةً تُصدر عندما يصبح الصمت أكثر خطورة من الكلام، لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالبيان، بل بما بعده: هل تكفي كلمات الدعم لإعادة الثقة؟ وهل يقتنع المعترضون بأن الأزمة انتهت بمجرد صورة جماعية وعبارات دبلوماسية منمقة؟
في عالم الرياضة كما هو الحال في السياسة، لا توجد خلافات مجانية، ولا مصالح دائمة، ولا خصومات أبدية، الجميع يجلس إلى طاولة المفاوضات عندما يكون الثمن مناسباً، ولذلك يبقى السؤال الأهم: ما المقابل الذي سيضطر إنفانتينو إلى تقديمه لإعادة الهدوء إلى البيت الدولي؟ وما التنازلات التي قد يطلبها الأوروبيون أو الكونكاكاف أو غيرهما مقابل تجديد الثقة ومنحه طريقاً أكثر أماناً نحو انتخابات 2027؟
بنلتي
إنفانتينو اكتشف متأخراً أن أصعب صفقة ليست بيع حقوق كأس العالم، بل شراء الوقت عندما تبدأ الثقة نفسها بالرحيل، ففي الرياضة كما في غيرها، من يعتاد شراء التأييد بالامتيازات سيكتشف يوماً أن الفاتورة تتضخم مع كل أزمة، وأن المحافظة على الثقة أقل كلفة بكثير من محاولة استعادتها بعد أن تتسرب من بين الأصابع.