بين المالك والمقاول
من الذكريات التي لا تزال حاضرة في ذهني زيارتي إلى ديوان القناعات العامر حيث تشرفت أكثر من مرة بلقاء العم فوزي مساعد الصالح (بوأحمد) - رحمه الله تعالى- أحد رجالات الكويت الذين عرفوا برجاحة العقل وسعة الخبرة وكانت له مواقف وطنية وإسهامات مشهودة ومن ذلك دوره أثناء تحرير الكويت إلى جانب عطائه الاجتماعي المعروف.
دار الحديث يومها عن المقاولين وما يثار حول بعضهم من شكاوى ومنازعات فقلت له إن كثيراً من الناس يشتكون من المقاولين. فأجابني بكلمة موجزة لا تزال عالقة في ذهني: «على المالك أن يتأكد من العقود التي يبرمها».
لم يكن يقصد بذلك إعفاء المقاول من مسؤوليته، فالمقاول مسؤول عن تنفيذ ما التزم به وفق الأصول الفنية والعقدية، بل كان يريد أن يلفت النظر إلى حقيقة يغفل عنها كثير من الملاك، وهي أن حماية الحقوق تبدأ قبل وضع أول حجر بحسن اختيار المقاول وإبرام عقد واضح يحدد الالتزامات والمواصفات وآلية التنفيذ وضمانات كل طرف.
ومع مرور الوقت وجدت أن هذا الكلام له سنده في القضاء الكويتي، إذ استقر قضاء محكمة التمييز على أن رب العمل قد يتحمل مسؤولية خطأ المقاول إذا ثبت أنه أساء اختياره فعهد بالعمل إلى من يجهل أصول مهنة المقاولة، وهذا يؤكد أن حسن الاختيار ليس مجرد تصرف إداري بل قد تترتب عليه آثار قانونية.
ومن واقع ما نشهده من كثرة المنازعات في بناء السكن الخاص، فإن الحاجة أصبحت قائمة إلى حلول وقائية لا تقتصر على الفصل في الخصومات بعد وقوعها.
ومن هنا، أقترح أن تتولى بلدية الكويت بالتعاون مع الجهات الفنية والقانونية المختصة إعداد نماذج استرشادية لعقود بناء السكن الخاص تغطي مراحل المشروع كافة منذ الحفر حتى تسليم المفتاح بحيث تتضمن الحد الأدنى من المواصفات الفنية التي لا يجوز النزول عنها مع توفير أكثر من نموذج بحسب مستوى التشطيب والجودة كالنموذج الاقتصادي والمتوسط والعالي مع بقاء الحرية للمالك في اختيار المستوى الذي يناسبه أو الاتفاق على مواصفات أعلى إذا رغب في ذلك.
ومن شأن هذه النماذج أن توحد المفاهيم الأساسية وتوضح حقوق الطرفين والتزاماتهما وتحد من كثير من أسباب النزاع التي تنشأ بسبب العقود المقتضبة أو غير الدقيقة مع المحافظة على حرية الأطراف في إضافة ما لا يتعارض مع الحد الأدنى من الضمانات والمواصفات.
رحم الله العم أبا أحمد فوزي مساعد الصالح فقد كانت كلمته المختصرة تحمل ما تؤيده التجربة ويعضده القضاء وتؤكده الوقائع اليومية.
«على المالك أن يتأكد من العقود التي يبرمها.»