عبدالرحمن السيد في «التمهيديات» الأميركية

الرمزية والزلزال المعنوي لتآكل السردية الصهيونية

نشر في 07-08-2026
آخر تحديث 06-08-2026 | 19:13
 محمد الجارالله

تُعلمنا قراءة التاريخ الفكري للسياسة والحضارات أن النهوض والانهيار نادراً ما يحدثان عبر كوارث مباغتة أو تحوُّلات فجائية، بل إن الكيانات الهيكلية والأنظمة الركينة غالباً ما تبدأ بالانزياح عبر عمليات تآكل هادئة وتراكمية. 

في الذاكرة العربية والشرقية، تقف أسطورة سد مأرب العظيم شاهداً تاريخياً ينطوي على فلسفة عميقة، إذ لم ينهدم ذلك البناء العتيد بزلزال خاطف، بل بنخر تدريجي وبثقوب غير مرئية أحدثت في قاعه العميق، حتى اتسعت الخروق وعجز الجدار عن مواجهة التدافع. 

هذا المفهوم الفلسفي يمنحنا إطاراً تحليلياً متزناً لفهم الشقوق الجارية اليوم في جدار السردية السياسية الصهيونية الصلبة داخل الولايات المتحدة الأميركية.

مفارقة العقول المهاجرة... من التبعية إلى صناعة الوعي

على مدى عقود طويلة، اتسم النظام السياسي الأميركي بخصيصة فريدة شكَّلت سر تفوقه وديناميكيته، وهي قدرته الاستثنائية على جذب العقول المهاجرة واستقطاب الكفاءات العابرة للقارات، وتحويل تلك الطاقات الشابة والفكرية إلى وقود للإبداع والتطوير. 

لقد مثَّل هذا الاستقطاب النموذج الأبرز لبناء الدولة العصرية الأعظم القائمة على التكنوقراط والمعرفة. غير أن التحوُّل الحقيقي والمفارقة التاريخية التي نعيشها اليوم تكمن في أن هذه العقول والكفاءات، من أطباء وأكاديميين ومتخصصين، لم تعد تقبل بالتأطير التقليدي الذي حاول احتواءها. فهؤلاء المهاجرون وأبناؤهم من الأجيال الجديدة ليسوا مجرَّد أدوات تنفيذية أو رعايا مطيعين لتوافقات النُّخب القديمة، كما أنهم ليسوا تابعين للتحالفات التقليدية الممتدة بين أصحاب المال السياسي واللوبي الإنجيلي الصهيوني، وإنما أضحوا صُنَّاع وعي مستقل وشركاء في صياغة المستقبل.

خطاب عبدالرحمن السيد... الأولويات المعيشية في مواجهة حرب الإبادة

يتجلَّى هذا التغيير في صعود نماذج سياسية شابة ورزينة في المشهد الأميركي الداخلي، وتحديداً في الاختراق التاريخي الذي حققه الدكتور عبدالرحمن السيد، بفوزه في الانتخابات التمهيدية. 

إن مغزى هذا الفوز لا يكمن فقط في كسر التوقعات الحزبية التقليدية، بل في طبيعة الطرح الذي قدَّمه للناخب الأميركي، حيث ركَّز بشكلٍ مباشر على مشكلات المواطن اليومية، كارتفاع الضرائب، وضرورة توفير السكن الملائم، وتطوير الرعاية الصحية، ودعم التعليم الفعَّال. 

لقد طرح السيد معادلة أخلاقية واقتصادية حاسمة: أموال دافعي الضرائب الأميركيين يجب أن تُستثمر في الداخل لتلبية هذه الاحتياجات الأساسية، لا أن تذهب لتمويل حروب الإبادة والنزاعات الخارجية. علاوة على ذلك، اتسم خطابه بشفافية وشجاعة غير مسبوقة في تاريخ السجال السياسي الأميركي، من خلال كشفه المباشر لكيفية تحكم المال السياسي الصهيوني في مقدَّرات وقرارات المواطن الأميركي البسيط، متجاوزاً بذلك الخطوط الحُمر القديمة.

«طوفان الأقصى» والسنوار... هل أحدثت الزلازل الإقليمية تحولاً استراتيجياً عالمياً؟

وهنا يبرز تساؤل جوهري يُطرح في أروقة التحليل السياسي: هل كان لطوفان الأقصى والتحرُّكات التي قادها يحيى السنوار اليد الطولى في إحداث هذه التغيُّرات المتلاحقة على الصعيد العالمي؟ هل أدَّت تلك الصدمة الإقليمية إلى كشف واقع السردية الصهيونية أمام الرأي العام الغربي وتعرية أثمن أدوات نفوذها؟ 

الواقع يشير إلى أن التداعيات الأخلاقية والإعلامية للتطورات الأخيرة ما عادت محصورة في حدود الشرق الأوسط، بل امتدت لتحدث خللاً كبيراً في البنية الفكرية داخل الجامعات والمؤسسات والأوساط السياسية الأميركية، مما فتح الباب أمام اتساع رقعة التساؤل والتحول داخل الحزبين الديموقراطي والجمهوري على حدٍّ سواء حول جدوى التبعية للوبي الصهيوني على حساب المصلحة الوطنية الأميركية.

إعادة رسم التوازنات... أثر استقلال القرار الأميركي على المنطقة والعالم

إن انعكاسات هذا التحوُّل الداخلي الأميركي تتجاوز حدود واشنطن، لتطول التوازنات الإقليمية في منطقة الخليج والشرق الأوسط، بل والنظام العالمي برمته. عندما يبدأ صُنَّاع القرار في واشنطن إدراك أن الانحياز المطلق أو التغطية غير المشروطة على صراعات وأطماع إسرائيل في الإقليم تمس استقرار المصالح الأميركية واستقلالية قرارها، فإن مقاربة الدولة العظمى تجاه قضايا الشرق الأوسط ستتجه بالضرورة نحو قدرٍ أكبر من البراغماتية والواقعية. هذا العصر المتغيِّر يحمل في طياته فرصة لإعادة تأسيس العلاقات الدولية على قواعد التوازن والتعددية، بعيداً عن سياسات المحاور الضيقة والهيمنة التي فرضتها العقود الماضية.

ختاماً، إن الإقرار بهذه التحوُّلات لا يعني الادعاء بأن استقلال الإرادة السياسية الأميركية عن نفوذ المال السياسي واللوبيات التاريخية سيكتمل في المدى القريب، فالطريق لا يزال شاقاً وطويلاً، وموازين القوى المالية والإعلامية الصهيونية والتقليدية تتمتع بكتلة وضغط لا يُستهان بهما. بيد أن المهم والمؤكد هو أن النواة الصلبة للسردية القديمة وبالذات سيف «معاداة السامية» فقدت حصانتها المعتادة، وأن معالم التحوُّل البنيوي قد بدأت بالفعل، تماماً كما تبدأ السدود التاريخية العظيمة بتغيير مسار التاريخ عبر ثقوب صغيرة تدعو للتأمل والرصد العميق.

* وزير الصحة الأسبق

back to top