وجهة نظر: الذكاء الاصطناعي... أكبر استثمار في العالم قد يكون أيضاً أكبر مخاطرة غير محسوبة

نشر في 07-08-2026
آخر تحديث 06-08-2026 | 18:27
 عبدالله حسن ثاكور

دخل العالم أكبر دورة استثمارية تكنولوجية في التاريخ الحديث، فالحكومات تتسابق لرقمنة اقتصاداتها، والشركات تنفق مئات مليارات الدولارات على الذكاء الاصطناعي، في وقت تُبنى مراكز بيانات فائقة الضخامة في أميركا الشمالية وأوروبا والخليج وآسيا. وتنظر الدول، بحق، إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره محرك الجيل المقبل من الإنتاجية والتنافسية والتنويع الاقتصادي.

بالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة استثنائية، فرؤية السعودية 2030، والاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في الإمارات، وأجندة التحول الرقمي في قطر، وطموحات الكويت لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً، تدرك جميعها أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي دوراً محورياً في رسم ملامح النمو الاقتصادي خلال الجيل المقبل، لكن وسط هذا السباق العالمي نحو التحديث، تحظى مسألة بأقل بكثير مما تستحقه من الاهتمام: هل تتوسع قدرات الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من قدرتنا على إدارة المخاطر الاقتصادية التي تخلقها؟

كل ثورة اقتصادية تخلق مخاطرها 

لم يعد هذا السؤال تقنياً فحسب، بل أصبح سؤالاً اقتصادياً بامتياز، ومن المعروف أن كل ثورة اقتصادية كبرى تخلق مخاطر جديدة، ويقدم التاريخ درساً متكرراً في هذا المجال، فقد أحدثت الثورة الصناعية تحولاً جذرياً في التصنيع، لكنها فرضت الحاجة إلى معايير جديدة للسلامة في أماكن العمل. وأحدث الطيران التجاري ثورة في حركة السفر، لكنه تطلب بناء أنظمة جديدة بالكامل لمراقبة الحركة الجوية. أما النظام المصرفي الحديث فقد أوجد مستويات غير مسبوقة من الازدهار، لكنه تطلب، بعد أزمات متكررة، بنوكاً مركزية وتشريعات مالية وآليات للرقابة على المخاطر النظامية. والذكاء الاصطناعي يسلك المسار نفسه، لكن بوتيرة أسرع بكثير. فخلافاً للتكنولوجيات السابقة، يجري دمج الذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه داخل قطاعات المصارف والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية والتصنيع والاتصالات والطاقة والخدمات الحكومية والأسواق المالية.

بمعنى آخر، لا ينشئ الذكاء الاصطناعي صناعة جديدة فحسب، بل يتحول تدريجياً إلى ما يشبه نظام التشغيل للاقتصاد العالمي.

القدرات أسرع من الحوكمة

في الوقت نفسه، فإن القدرات تتقدم أسرع من الحوكمة. ويصف صندوق النقد الدولي الذكاء الاصطناعي بأنه قضية «بالغة الأهمية على مستوى الاقتصاد الكلي»، نظراً لأن تأثيره يتجاوز قطاع التكنولوجيا ليطال الإنتاجية والاستقرار المالي والقدرة على الصمود الاقتصادي. وبالمثل، ترى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن حوكمة الذكاء الاصطناعي يجب أن تتطور بالتوازي مع تطور قدراته. ويحذر «التقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي»، الذي أعده أكثر من 100 خبير مستقل بقيادة الأستاذ يوشوا بنجيو، عقب قمة بليتشلي لسلامة الذكاء الاصطناعي، من أن قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة تتطور بسرعة، بالتزامن مع بروز مخاطر أكثر أهمية. وعندما يبدأ الاقتصاديون والحكومات وكبار علماء الذكاء الاصطناعي في الوصول إلى استنتاجات متقاربة، فإن الأسواق يجب أن تنتبه.

إشارات اقتصادية أم حوادث تقنية؟

على صعيد متصل، لا ينبغي التعامل مع الإفصاحات الأخيرة من شركات مثل OpenAI وAnthropic وMeta باعتبارها مجرد حوادث معزولة داخل المختبرات، كما لا ينبغي تضخيمها إلى حد الادعاء بأن الذكاء الاصطناعي أصبح واعياً. الأهم فيما تكشفه هذه الوقائع هو أن أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، خلال اختبارات أمن سيبراني مضبوطة، سعت إلى تحقيق أهداف بطرق تجاوزت حدود التشغيل التي حددها مطوروها، وتفاعلت مع أنظمة خارجية واتخذت إجراءات لم يتوقعها القائمون عليها. وقد وقعت هذه الأحداث في بيئات خاضعة للسيطرة وتم احتواؤها بنجاح. لكنها أظهرت أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر قدرة يمكن أن تتصرف بصورة غير متوقعة عندما تحصل على قدر كافٍ من الاستقلالية. وهذا أمر ينبغي أن يقلق الاقتصاديين بقدر ما يقلق المهندسين، إذ يواجه الاقتصاد العالمي أصلاً تهديدات رقمية هائلة، فقد أصبحت الجرائم الإلكترونية عبئاً تبلغ كلفته تريليونات الدولارات، بينما أدت هجمات برامج الفدية إلى تعطيل مستشفيات ومصانع وخطوط أنابيب، وأجبرت بلديات على تعليق خدمات أساسية، وتنفق الشركات مبالغ ضخمة سنوياً للدفاع عن نفسها في مواجهة هجمات إلكترونية أكثر تعقيداً.

وفي الوقت نفسه، تواصل الحكومات التعامل مع الانتشار السريع للعملات المشفرة والأنظمة المالية اللامركزية، حيث تظل مسائل الاختصاص القضائي وتحديد المسؤولية وإنفاذ القوانين شديدة التعقيد. هذه المخاطر موجودة أصلاً، لكن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يغير حجمها جذرياً.

فالهجمات السيبرانية التقليدية تظل مقيدة بالقدرات البشرية. وحتى أكثر القراصنة مهارة يحتاجون إلى الوقت والتنسيق والمهارات اللغوية والتخطيط والجهد المستمر، أما الذكاء الاصطناعي فيغير هذه المعادلة الاقتصادية بالكامل، إذ يمكن لنظام مستقل أن يحلل آلاف المؤسسات في الوقت نفسه، ويحدد نقاط الضعف خلال دقائق، ويولد البرمجيات تلقائياً، ويتكيف باستمرار، وينسق مسارات متعددة للهجوم، ويعمل على مدار الساعة من دون تعب. ولا يحتاج النظام إلى التفوق على كل قرصان بشري محترف، يكفي أن يؤدي بمستوى مرتفع ملايين المهام المتكررة في الوقت نفسه. وهنا يكمن تأثير المضاعِف. المخاوف لا تتعلق فقط بأن يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة، بل بأن تتحول التهديدات الرقمية نفسها إلى نشاط صناعي واسع النطاق.

تدفق الاستثمار قبل فهم المخاطر 

مع ذلك، تنفق أكبر شركات التكنولوجيا في العالم مئات مليارات الدولارات سنوياً على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتضاعف الطلب على الكهرباء من مراكز البيانات أكثر من مرة بحلول عام 2030، مدفوعاً بدرجة كبيرة بالتوسع في الذكاء الاصطناعي. كل مركز بيانات فائق الضخامة جديد يعني قدرة حوسبية أكبر. وكل زيادة في القدرة الحوسبية تتيح بناء نماذج أكبر. والنماذج الأكبر تفتح المجال أمام أنظمة مستقلة أكثر قدرة. وكلما ازدادت قدرات هذه الأنظمة، اتسع نطاق تفاعلها مع قطاعات الاقتصاد المختلفة.

وهكذا تتسع الفرصة الاقتصادية، لكن يتسع معها أيضاً تركّز المخاطر النظامية. في الأسواق المالية يسمى ذلك «الرافعة»، وفي التكنولوجيا يسمى «التوسع»، أما في الاقتصاد، فيُنظر إليه باعتباره «ترابطاً».

ويظهر التاريخ أن الأنظمة المترابطة تخلق مستويات استثنائية من الكفاءة، إلى أن يؤدي فشل واحد إلى سلسلة من التداعيات تنتشر عبر الشبكة بأكملها.

السؤال الحقيقي

لا يعني ذلك أن تطوير الذكاء الاصطناعي يجب أن يتباطأ، فمن شبه المؤكد أن الذكاء الاصطناعي سيولد مكاسب ضخمة في الإنتاجية، ويسرع الاكتشافات العلمية، ويحسن الرعاية الصحية، وينشئ صناعات لا تكاد توجد اليوم. المسألة ليست ما إذا كان ينبغي للذكاء الاصطناعي أن يواصل التقدم. بل ينبغي له ذلك. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل تواكب الاستثمارات في القدرة على الصمود الاستثمارات في تطوير القدرات؟

كل دولار يُنفق لجعل الذكاء الاصطناعي أكثر قوة ينبغي أن يقابله استثمار جاد في هندسة السلامة، والأمن السيبراني، والاختبارات المستقلة، والمراقبة، والحوكمة، وخطط التعافي، والمعايير الدولية. وإلا فإن المجتمع يخاطر بتكرار خطأ تاريخي مألوف: تحسين الكفاءة مع الاستثمار بأقل من المطلوب في القدرة على الصمود.

لماذا يهم ذلك الخليج؟

وضعت دول مجلس التعاون الخليجي نفسها في موقع يؤهلها لتصبح من أبرز مراكز الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية في العالم. وهذه استراتيجية اقتصادية منطقية، لكن الريادة تتطلب أيضاً القدرة على إدراك المخاطر قبل تحولها إلى أزمات، ويمتلك الخليج فرصة لأن يصبح ليس فقط مركزاً عالمياً رائداً في توظيف الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً رائداً عالمياً في حوكمته، وبناء القدرة على الصمود أمام مخاطره، وتطوير بنية تحتية رقمية آمنة. فبناء الاقتصاد الأكثر تقدماً في مجال الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يسير بالتوازي مع بناء الاقتصاد الأكثر موثوقية في استخدامه.

ويمكن لهذه الميزة أن تتحول بحد ذاتها إلى عنصر من عناصر التنافسية الاقتصادية.

الاستثمار الأهم

ضاعفت كل ثورة صناعية سابقة الإنتاجية البشرية، لكن الذكاء الاصطناعي هو أول تقنية قادرة، في الوقت نفسه، على مضاعفة قدرات اتخاذ القرار، وإنشاء البرمجيات، والأتمتة، والقدرات السيبرانية. ولهذا لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي شأناً يمكن تركه للمهندسين وشركات التكنولوجيا وحدهم. إنه نقاش يجب أن يصل إلى مجالس إدارات الشركات، ووزارات المالية، والبنوك المركزية، وصناديق الثروة السيادية، وكل اقتصاد يستثمر بكثافة في التحول الرقمي.

ينفق العالم مبالغ غير مسبوقة لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي التي ستحدد ملامح المستقبل، لكنه يحتاج الآن إلى الاستثمار بالدرجة نفسها من الإلحاح في بناء القدرة على الصمود التي تضمن أن يظل هذا الذكاء آمناً، وقابلاً للحوكمة، وجديراً بثقة الجمهور.

فالتاريخ يقدم درساً بسيطاً: أكبر الفقاعات الاقتصادية نادراً ما تُبنى على أفكار عديمة القيمة، بل تنشأ من أفكار تحويلية يجري التقليل بصورة منهجية من مخاطرها.

قد يصبح الذكاء الاصطناعي أعظم فرصة اقتصادية في القرن الحادي والعشرين، أما أن يتحول أيضاً إلى أكبر مخاطره النظامية، فسيتوقف ليس على مدى ذكاء الآلات التي نبنيها، بل على مدى سرعة تحول مؤسساتنا إلى مؤسسات قادرة على الصمود وحوكمتها.

* الرئيس التنفيذي لشركة دو كابيتال في سي، ومحاضر زائر في ريادة الأعمال، ومؤسس الغرفة الإسلامية العالمية للتجارة والصناعة عبر الإنترنت. وهو أيضاً متحدث عالمي في مجالات الاستراتيجية وتطوير الشركات الناشئة، ويُعرف برؤاه في الاقتصاد وبناء منظومات أعمال مبتكرة، وأخلاقية، وقابلة للتطوير.

back to top