مقبرة «باسر»... نافذة جديدة على عالم نبلاء طيبة

تكشف مزيداً من أسرار الحضارة المصرية القديمة

نشر في 06-08-2026
آخر تحديث 06-08-2026 | 18:18
المقبرة المكتشفة
المقبرة المكتشفة

كل مقبرة تُكتشف في جبانة طيبة لا تضيف رقماً جديداً إلى سجل الآثار المصرية فحسب، بل تفتح باباً لفهم جانب آخر من حياة المصريين القدماء وطقوسهم وفنونهم وعلاقتهم بالعالم الآخر. 

ومن بين أحدث هذه الاكتشافات برزت مقبرة تعود لرجل يُدعى «باسر» في منطقة الشيخ عبد القرنة بالبر الغربي في مدينة الأقصر (أقصى جنوب مصر)، لتضيف قطعة جديدة إلى فسيفساء التاريخ المصري.

وجاء الكشف الجديد على يد البعثة الأثرية الهولندية التابعة لجامعة لايدن، التي تعمل في المنطقة منذ عام 2018 بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار المصرية، ضمن مشروع بحثي لا يقتصر على الحفائر، بل يشمل أيضاً الحفاظ الوقائي، وإدارة المخاطر، وإعداد أول دراسة أثرية متكاملة للمنطقة.

تاريخ المقبرة

تشير الدراسات الأوليِّة إلى أن المقبرة التي تقع في نطاق الأقصر المعروفة تاريخياً بـ«مدينة طيبة»، تعود على الأرجح إلى عصر الرعامسة، استناداً إلى الأسلوب الفني لنقوشها، بينما حملت الكتابات داخلها اسم صاحبها «باسر». 



ويؤكد تخطيطها المعماري أنها تنتمي إلى النمط التقليدي لمقابر كبار الأفراد في طيبة خلال الدولة الحديثة، إذ تضم فناءً خارجياً، ومقصورة منحوتة في الصخر على هيئة حرف T مقلوب، إضافة إلى حجرات دفن تحت سطح الأرض.

ولا يزال الفناء يحتفظ بعدد من عناصره المعمارية في حالة جيدة، من بينها مصطبة من الطوب اللبن تتوسطها فتحة كانت مخصصة لتثبيت لوحة جنائزية، إلى جانب سلم تحيط به منحدرات تقود إلى مدخل المقبرة.

استعادة الألوان

ورغم أن طبقة رقيقة من الأتربة لا تزال تغطي أجزاء من الجدران، فإن النقوش الملوّنة بدأت تكشف ملامح عالم «باسر»، حيث يظهر وهو يؤدي طقوس التعبُّد أمام عدد من المعبودات داخل مقاصير مقدسة، كما تصوّره مشاهد أخرى بصحبة زوجته أمام مائدة للقرابين، وهي من الموضوعات التي عكست اعتقاد المصري القديم باستمرار الحياة بعد الموت.

ومن المنتظر أن تكشف أعمال التنظيف والترميم عن تفاصيل إضافية قد تساعد في قراءة النقوش كاملة وفهم مكانة صاحب المقبرة ووظيفته.

ما وراء الاكتشاف

ولا ينظر علماء الآثار إلى المقبرة باعتبارها مبنى جنائزياً معزولاً، بل كجزءٍ من شبكة معقدة من مقابر النخبة في جبانة طيبة، لذا يواصل فريق البحث أعمال التوثيق والدراسة لتحديد هوية جميع من دُفنوا بالمقبرة وإعادة بناء سيرهم وربطها بالسياق التاريخي والاجتماعي للمنطقة.

كما تخطط البعثة خلال المواسم المقبلة لتنفيذ أعمال التدعيم الإنشائي، وصيانة الزخارف الملونة، بما يضمن الحفاظ على المقبرة وإتاحة دراستها بصورة أشمل.

وبينما لا يزال كثير من أسرار الشيخ عبد القرنة مدفونة تحت الرمال، يؤكد هذا الكشف أن جبانة طيبة ما زالت قادرة، بعد آلاف السنين، على تقديم صفحات جديدة من تاريخ المصريين القدماء، حيث تتحول كل مقبرة مكتشفة إلى شهادة حية على براعة الفن وثراء الحياة في واحدة من أعظم حضارات العالم.

back to top