«سندروم رجل المدن العارية» تغوص في معاناة المهاجرين

رواية جديدة للجزائري بومدين بلكبير تقدم شكلاً جديداً من الاحتجاج السردي

نشر في 07-08-2026
آخر تحديث 06-08-2026 | 18:14
بومدين بلكبير
بومدين بلكبير

يضعنا الروائي الجزائري بومدين بلكبير أمام مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر، ففي أحدث أعماله «سندروم رجل المدن العارية»، الصادر عن منشورات المتوسط بميلانو، لا يقف بلكبير عند حدود رصد ظاهرة الهجرة السطحية، بل يقدم تقريراً سردياً شديد الجرأة يفضح الأثر النفسي المدمر للعنصرية الممنهجة، معلناً ولادة «متلازمة» جديدة تفكك أوهام الشمال الآمن.

«سندروم رجل المدن العارية» عنوان لافت للرواية ومشحون بالدلالات، ويثير الفضول منذ الوهلة الأولى، وهذا التداخل يخلق إحساساً بأن الرواية تتناول أزمة إنسان معاصر تتجاوز الفرد إلى المدينة كفضاء حضري وثقافي  يعيش فيه.

الرواية في جوهرها ليست فقط عن المهاجرين، بل عن الإنسان المعاصر المتألم، تواصلاً مع مشروع بلكبير الروائي منذ «خرافة الرجل القوي»، و»زوج بغال» أو «ثلاث حيوات لرجل واحد»، و»زنقة الطليان»، و»عدو غير مرئي»، تأتي «سندروم» بوصفها تتويجاً لمسار فني وإنساني يتعمق أكثر في الذات، ويتحدى الصور الجاهزة، مقدماً شكلاً جديداً من الاحتجاج السردي.

اهتم معظم الأعمال السردية والسينمائية بقضية الهجرة غير الشرعية، بشكل مباشر ومكرر من تتبع رحلة العبور القاسية عبر الصحراء والبحر إلى معاناة المهاجرين في المراكز البائسة فور وصولهم، أو إعادتهم إلى بلدانهم.

وفي مقابل هذا الطرح التقليدي ظهرت أعمال تستشرف مستقبلاً تُسيطر فيه أجيال المهاجرين المسلمين على الحكم في أوروبا، كما في رواية ميشيل ويلبيك الاستسلام (2015)، التي تتخيل فوز مرشح مسلم في الانتخابات الفرنسية، أو «2084  نهاية العالم» لبوعلام صنصال، التي ترسم صورة قاتمة لأوروبا خاضعة للتشدد الديني.

الرواية في جوهرها ليست عن المهاجرين فقط بل عن الإنسان المعاصر المتألم

أما رواية «سندروم رجل المدن العارية» لبومدين بلكبير، فتقترح مساراً معاكساً تماماً، إذ لا تنسج على منوال السرديات الغربية المتحاملة، بل تتخيل سيناريو أكثر قتامة يتمثل في صعود اليمين المتطرف إلى الحكم، وتحول أوروبا إلى كيان عنصري وحشي يطرد الآخر، ويرفض التعدد، ويقمع كل مختلف، وتغوص الرواية في تفاصيل يومية مأساوية للمهاجرين، حيث تتحول العنصرية إلى اضطراب نفسي عميق يصيب بطل الرواية، حميد غطاس، الذي يعيش في ستوكهولم، ويعاني مما يمكن تسميته بـ»متلازمة المدن العارية».



بعد أكثر من خمسين عاماً على ظهور «متلازمة ستوكهولم» (1973)، يمنحنا بلكبير سندروماً جديداً، ينهل من خيال روائي، لكنه يتكئ على الواقع: اغتراب نفسي عميق، وهلاوس، وكوابيس، وتهيؤات تنبع من فوضى الداخل وقلق الهوية. تحوّل الرواية هذه الانفعالات إلى لغة سردية مشحونة، تُصوِّر السويد، لا كملاذ، بل كمدينة مفترسة تنهش ذاكرة المهاجر، وتعيد تشكيله على نحو مؤلم. 

المدينة نفسها تتحول إلى كيان حي، يشبه الإنسان، في علاقة جدلية تتماهى فيها الأماكن مع النفوس.

يقدّم بلكبير عملاً مركباً لا ينشغل بتوثيق الواقع بقدر ما يبحر في الأعماق، في اشتباك بين الحلم والواقع، اللاوعي والوعي، ليقول ببراعة: الهوية لا تُحمل في الجوازات، بل في اللاوعي، في الحلم الذي يجمع ما تفرّق، ويخلق مساحة تخييلية تتخطى كل كليشيه. 

حميد غطاس ليس مهاجراً غاضباً يدمّر كما في السرديات الأوروبية، بل مهاجر مفكك، هش، يعاني من الداخل، من عنف صامت. وهنا تكمن المفارقة بينه وبين شخصيات مثل «خليل» في رواية ياسمينة خضرا: فبينما يظهر خليل كأداة عنف، يختار بلكبير أن يجعل الألم صامتاً، داخلياً، نفسانياً.

لا يفهم حميد غطاس المدينة الجديدة، لا يمتلك أدواتها، ولا مظلتها. يعيش عزلة خانقة، تكشفها جملة بسيطة في الرواية: «الجميع يفهم ستوكهولم، إلا هو». لا ملاذ له سوى شقته، والذاكرة التي تطارده. 

هذا الاغتراب ليس فقط مكانياً، بل وجودياً. والشخصيات الأخرى في الرواية ليست أقل تمزقاً، فالحنين إلى المدن الأصلية لا يزول، بل يتناسل، ويتضخم، حتى في ظل سادية المدن الجديدة.

ليست سندروم رواية ترفيهية أو تسلية، بل محاولة لفهم الذات والعالم، واستكشاف ما يُهمل في التحليل السياسي أو الصحفي أو الإعلامي. بومدين بلكبير في هذا العمل لا يعيد إنتاج واقع، بل يعيد مساءلته. ولهذا، فإن كل رواية يصدرها لا تشكل نهاية أو محطة، بل قفزة جديدة في مشروع روائي آخذ في التجدد والاختلاف.

back to top