تاريخ موجز لصناعة الثروة

نشر في 05-08-2026
آخر تحديث 04-08-2026 | 20:03
 وول ستريت جورنال

أعظم ما ميّز الإمبراطورية الرومانية أنها بنت ثروتها على «تجميع الثروة» لا على «خلقها». فقد اعتمدت روما على تفوقها العسكري لغزو جيرانها، ونهب الذهب والفضة، واستعباد الشعوب. لكن عندما لم يعد هناك جيران يمكن غزوهم، بدأ الاقتصاد الروماني يفقد زخمه.

أما الولايات المتحدة فقد قامت على مبدأ مختلف تماماً. إنها تعيش منذ أكثر من قرنين أعظم حقبة لخلق الثروة عرفها التاريخ، لأنّ ثروتها لم تُبنَ على السلب، بل على الابتكار. وكل موجة تكنولوجية جديدة خفضت تكلفة عنصر أساسي في الاقتصاد، فأنشأت ثروات جديدة، وجعلت المجتمع بأسره أكثر ثراءً.

يكفي النظر إلى قائمة «فوربس 400»، ففي عام 1982 كان امتلاك مئة مليون دولار يكفي لدخول القائمة، وكان أغنى أميركي يملك مليارَي دولار.

أما اليوم، فأنت تحتاج إلى مليارات عدة للدخول إليها، بينما تتجاوز ثروة إيلون ماسك أربعمئة مليار دولار. ولم يحدث هذا لأن المال انتقل من جيب إلى آخر، بل لأن التكنولوجيا خلقت قيمة اقتصادية لم تكن موجودة من قبل.

قبل الثورة الصناعية، كانت الثروات تقوم على ملكية الأراضي أو التجارة، وكانت الطاقة تعتمد على العضلات أو الرياح أو المياه. لكن عام 1781 غيّر جيمس واط قواعد اللعبة عندما ابتكر المحرّك البخاري الدوّار، فأصبحت الطاقة رخيصة ومتوافرة على نطاق واسع، وانخفضت تكاليف الإنتاج، وارتفعت أرباح المصانع، واستفاد المستهلكون من انخفاض الأسعار.

ثم جاءت السكك الحديدية لتخفض تكلفة النقل البري بصورة هائلة، فتحولت المصانع من خدمة المدن المجاورة إلى خدمة الأسواق الوطنية. وظهرت معها ثروات ضخمة لأسماء مثل كورنيليوس فاندربيلت وجاي غولد وغيرهما.

وتكرر المشهد مع ماكينة الخياطة التي قلّصت زمن إنتاج القميص من 16 ساعة إلى ساعتين فقط، فهبطت أسعار الملابس، وحقق إسحاق سنغر ثروة هائلة. وبعدها جاء النفط، عندما اكتشف بنيامين سيليمان إمكانية تكرير الخام إلى الكيروسين، الذي حلّ محل زيت الحيتان المكلف، لتظهر إمبراطوريات جون روكفلر وهنري فلاغلر، مع استمرار انخفاض الأسعار بفضل الإنتاج الواسع.

الأمر نفسه حدث مع صناعة الصلب، فبعد اختراع هنري بيسمر طريقة الإنتاج الكمّي عام 1856، أصبح الفولاذ رخيصاً بما يكفي لبناء السكك الحديدية وناطحات السحاب، فبرزت أسماء مثل أندرو كارنيغي، وأصبحت رمزًا لعصر صناعي جديد.

وفي القرن العشرين، بدأ عصر الحاسوب، حيث كانت أجهزة الكمبيوتر الأولى ضخمة وباهظة الثمن، ولم يكن استخدامها ممكنًا إلّا للحكومات والشركات الكبرى، لكن ظهور «المعالج الدقيق» عام 1971 غيّر كل شيء، إذ انهارت تكلفة معالجة البيانات وتخزينها، تمامًا كما خفّض المحرك البخاري تكلفة الطاقة قبل قرنين.

وسرعان ما أسس ستيف جوبز وستيف وزنياك شركة أبل، بينما وفّر بيل غيتس البرمجيات لشركة IBM، وأصبح الحاسوب الشخصي في متناول الجميع. واليوم يحمل طالب المدرسة في حقيبته قدرة حاسوبية تفوق ما كان تملكه «البنتاغون» في خمسينيات القرن الماضي.

ثم جاء الإنترنت، فغيّر الاقتصاد العالمي مرة أخرى، وأدرك جيف بيزوس أن التكنولوجيا الجديدة قادرة على إعادة ابتكار تجارة التجزئة، فتحولت أمازون إلى واحدة من أكبر الشركات وأصحاب العمل في الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، استخدم سام والتون الحوسبة المنخفضة التكلفة لإدارة مخزون «وول مارت» بكفاءة، مما سمح بخفض الأسعار للمستهلكين.

واليوم يواصل إيلون ماسك هذا المسار عبر «SpaceX»، التي خفضت تكلفة الوصول إلى الفضاء بفضل الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، بينما يعد الذكاء الاصطناعي بإطلاق موجة جديدة من الابتكار وخلق الثروة.

كل هذه العملية تقوم على «تكوين رأس المال». فالمليارديرات لا يكدسون أموالهم في خزائن مغلقة، بل يعيدون استثمارها في مشاريع تنتج ثروة جديدة وتخلق وظائف وفرصا اقتصادية.

لهذا أرى أنّ كثيراً من اليسار يخلط بين «تجميع الثروة» و«خلقها»، وعندما يدعو إلى فرض ضرائب مرتفعة على الثروة، فإنه يقلص رأس المال اللازم للاستثمار والنمو الاقتصادي. وإذا كان هناك مثال واضح على كيف يمكن للأيديولوجيا أن تعمي أصحابها عن الواقع، فهو هذا الخلط بين من يخلق الثروة ومن يكتفي بإعادة توزيعها.

جون ستيل جوردون

back to top