وجهة نظر: دولة غنية... وسيولة قلقة
في دولة تملك أصولاً سيادية ضخمة، قد يبدو خبر إصدار سندات حكومية خبراً عادياً، فالدول، حتى الغنية منها، تقترض لإدارة السيولة، أو تنويع مصادر التمويل، أو ترتيب التزاماتها المالية بصورة أكثر تنظيماً.
لكن عندما يأتي الإصدار في توقيت حساس، وبعد أشهر من اضطراب إقليمي أثار ويثير القلق حول النفط، والممرات البحرية، والإيرادات العامة، يتحول الخبر من إجراء مالي إلى سؤال سياسي واقتصادي أوسع.
هل نحن أمام إدارة طبيعية للدين العام؟ أم أمام محاولة لتغطية ضغط سيولة أكبر مما اعتدنا الاعتراف به؟ وهل تكفي وفرة الأصول لكي نقول إن المالية العامة مرنة؟
السؤال لا يتعلق بإصدار السندات في حد ذاته، فالاقتراض نفسه ليس خطأ، بل قد يكون أداة ضرورية إذا استخدم بوضوح وانضباط، السؤال الأهم هو، هل تمتلك الكويت القدرة على تحويل ثروتها الكبيرة إلى مرونة مالية حقيقية وقت الاضطراب، أم أن كل أزمة تعيدنا إلى نفس السؤال، من أين نغطي العجز؟
الغنى ليس هو السيولة
من الأخطاء الشائعة في قراءة المالية العامة الخلط بين الغنى والسيولة.
قد تكون الدولة غنية بأصولها، قوية بتصنيفها الائتماني، وقادرة على الوصول إلى الأسواق العالمية، لكنها في الوقت نفسه تواجه ضغطاً في السيولة المتاحة للموازنة، فالأصول السيادية ليست حساباً جارياً مفتوحاً للصرف اليومي، ولا يمكن التعامل معها كما لو كانت خزينة نقدية تُستخدم عند كل عجز.
هذه ليست مشكلة محاسبية فقط، بل مشكلة في طريقة إدارة المالية العامة.
فإذا كان العجز متوقعاً ومعروفاً مسبقاً، وإذا كانت المصروفات الجارية واضحة، وإذا كانت الإيرادات النفطية بطبيعتها متقلبة، فإن المرونة المالية لا تعني أن ننتظر حتى يضغط الوقت ثم نبحث عن التمويل، المرونة تعني أن تكون لدينا خطة واضحة لكيفية ترتيب الالتزامات، وإدارة السيولة، ومراجعة الأولويات قبل أن يتحول الضغط إلى حالة قلق عام.
فالدول قد تكون غنية في ميزان الثروة، لكنها متوترة في ميزان السيولة.
الصدمة الخارجية تكشف المشكلة الداخلية
لا شك أن التوترات الإقليمية وإغلاق الممرات الحيوية أو تهديدها يمكن أن تضغط على الدول النفطية بصورة مباشرة، فالكويت، بحكم اعتمادها الكبير على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، لا تستطيع عزل ماليتها العامة عن حركة الأسواق، ولا عن تدفق الصادرات، ولا عن المخاطر الجيوسياسية المحيطة بالمنطقة.
لكن الصدمة الخارجية لا تصنع الهشاشة، بل تكشفها.
فعندما يؤدي اضطراب مؤقت أو محتمل إلى هذا القدر من القلق حول قدرة الموازنة على تغطية التزاماتها، فإن السؤال يجب ألا يتوقف عند الحدث الخارجي، بل علينا أن نسأل، لماذا لا تملك المالية العامة مساحة مناورة أوسع؟ ولماذا تبدو بعض قراراتنا المالية دفاعية أو متأخرة؟ ولماذا لا يزال العجز، رغم الثروة الكبيرة، يتحول إلى قضية متكررة؟
ليست المشكلة أن تواجه الدولة أزمة، كل الدول تواجه أزمات، المشكلة أن تكشف كل أزمة الخلل نفسه.
الرواتب ليست المشكلة...
لكنها تكشف شكل المشكلة
تداول البعض أن جزءاً من هذه الإصدارات قد يكون موجهاً لتغطية عجز السيولة، وربما بعض المصروفات الجارية، ومنها الرواتب، على الرغم من أننا لا يمكن أن نجزم بذلك، ما لم تعلنه الجهات المختصة بوضوح، لكن مجرد تداول هذه الفرضية يعكس حجم القلق.
فالرواتب في الكويت ليست بنداً مالياً عادياً، هي جزء من العقد الاجتماعي، ومصدر دخل رئيسي لشريحة واسعة من المواطنين، والتزام لا يمكن التعامل معه باستخفاف، لذلك، فإن المشكلة ليست في دفع الرواتب، بل في أن تصبح المصروفات الجارية، على أهميتها، غير قابلة للمراجعة أو إعادة التنظيم.
هناك فرق كبير بين أن تقترض الدولة لتمويل مشروع يرفع إنتاجيتها، أو يطور بنيتها التحتية، أو يبني قدرة اقتصادية جديدة، وبين أن تقترض لتغطية فجوة متكررة بين الإيرادات والمصروفات، الأول قد يكون استثماراً في المستقبل، أما الثاني فهو شراء للوقت.
المرونة المالية ليست احتياطياً فقط
نحن نتحدث كثيراً عن الاحتياطيات، وعن الصناديق السيادية، وعن قدرة الكويت المالية، وكل ذلك مهم، لكنه لا يكفي.
المرونة المالية تعني القدرة على إعادة ترتيب الأولويات بسرعة عندما تتغير الظروف، تعني أن نعرف أي المشاريع يجب حمايتها، وأيها يمكن تأجيله، وأي المصروفات تمثل استثماراً في القدرة المستقبلية، وأيها مجرد استنزاف مستمر.
في أوقات الضغط، لا يكون القرار الصحيح دائماً هو الخفض، أحياناً يكون الخفض العشوائي أكثر ضرراً من العجز نفسه، فقد تُوقف الدولة مشروعاً ضرورياً للبنية التحتية، أو تؤجل صيانة مهمة، أو تقلص إنفاقاً يرفع الإنتاجية، بينما تترك أبواب الهدر مفتوحة في أماكن أخرى.
فليست كل مصروفات الدولة عبئاً، وليست كل التخفيضات إصلاحاً.
الإصلاح الحقيقي يفرق بين خفض الدهون وقطع العضلات، يراجع المشاريع بناءً على أثرها، لا بناءً على سهولة إيقافها، ويحمي الإنفاق الذي يبني قدرة مستقبلية، حتى وهو يضغط على المصروفات التي لا تضيف قيمة واضحة.
الدين العام أداة... وليس بديلاً عن الإصلاح
لا ينبغي أن نتعامل مع الدين العام كشر مطلق، وجود قانون دين عام واضح، وخطة إصدار منظمة، وسوق دين نشطة، قد يكون جزءاً من الإدارة المالية الحديثة، بل إن بعض الدول الغنية تستخدم الدين بكفاءة لأنها تعرف لماذا تقترض، وكيف تسدد، وما الذي سيتغير بفضل هذا الاقتراض.
لكن الدين يصبح خطراً عندما يتحول إلى بديل عن الإصلاح، يصبح خطراً عندما يستخدم لتأجيل الأسئلة الصعبة حول حجم الإنفاق الجاري، وكفاءة المشاريع، وتنويع الإيرادات، وإنتاجية الجهاز الحكومي.
ويصبح خطراً عندما يمنح صانع القرار وقتاً إضافياً، لا لاستخدامه في التغيير، بل لتأجيل التغيير.
ما الذي يجب أن نسأله الآن؟
بعد أي إصدار كبير، لا يكفي أن نسأل عن سعر الفائدة، أو حجم الطلب، أو نجاح التسويق، هذه أسئلة مهمة للمصرفيين والمستثمرين، لكنها لا تكفي للمجتمع.
علينا أن نسأل:
هل لدينا خطة واضحة لإدارة الدين العام؟
هل نعرف ما المصروفات التي يمكن مراجعتها دون إضعاف الدولة؟
هل توجد قائمة وطنية موحدة بالمشاريع التي يجب حمايتها حتى في وقت العجز؟
هل نملك آلية لإعادة ترتيب الإنفاق خلال أسابيع من حدوث أي أزمة؟
هل نقيس السيولة العامة كما نقيس حجم الثروة؟
وهل سيستخدم هذا الاقتراض لبناء مرونة مالية أكبر، أم سيمنحنا فقط وقتاً إضافياً قبل السؤال القادم؟
الكويت لا تحتاج إلى إثبات أنها دولة غنية، هذه حقيقة يعرفها الجميع، لكنها تحتاج إلى إثبات أن ثروتها تُدار بطريقة تمنحها قدرة أسرع على الحركة وقت الاضطراب.
فالسؤال بعد إصدار السندات ليس فقط، كم اقترضت الكويت؟
بل، هل سيجعل هذا الاقتراض المالية العامة أكثر مرونة، أم سيؤجل مواجهة الخلل الذي نعرفه جميعاً؟
* الشريك المدير
دوتسلينك للاستشارات