هل ننتظر الكارثة قبل أن نتحرك؟
يبدو لي أن هناك حقيقتين واضحتين في الجدل الدائر حول ما إذا كان ينبغي حظر نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية ذات الأوزان المفتوحة، الأولى أن أحداً لن يحسم هذا الملف سياسياً أو تشريعياً قبل وقوع حادث كبير، والثانية أن وقوع مثل هذا الحادث يبدو مسألة وقت.
لقد امتنعت شركة Anthropic عن طرح نموذجها الأكثر تقدماً، Mythos، لعامة المستخدمين لأنه قادر على تنفيذ هجمات إلكترونية خطيرة. وفي المقابل، شهدنا أخيراً نموذجاً تابعا لـ OpenAI يتجاوز بيئة الاختبار، ويسرق بيانات اعتماد لخوادم شركات خاصة، ثم يخترق أحدها للحصول على إجابة تحدٍ تقني. ووفقاً لشركة Hugging Face، التي تعرض أحد خوادمها للاختراق، فقد شملت العملية أكثر من 17 ألف إجراء منفصل، بينما أظهرت سجلات النظام أن نماذج Anthropic التجريبية ليست بعيدة عن مثل هذه السلوكيات.
لكن مصدر القلق الأكبر، في رأيي، يتمثل في النماذج الصينية المفتوحة التي تُوزَّع مجاناً أو بأسعار زهيدة، ويستطيع أي مستخدم تعديلها بعيداً عن رقابة مطوريها. هذه النماذج تلحق سريعاً بنظيراتها الأميركية، ولن يمر وقت طويل قبل أن تصبح قادرة على تنفيذ عمليات مماثلة، إن لم تكن تفعل ذلك بالفعل، مع صعوبة أكبر في تعقبها أو إيقافها.
المفارقة أن أي محاولة من إدارة ترامب لحظر هذه النماذج تواجه معارضة واسعة من مؤثرين في قطاع التكنولوجيا الأميركي، بينهم مارك زوكربيرغ، الذين يدافعون عن «حرية الابتكار»، لكن ما يقلقهم حقاً هو منح الحكومة الأميركية سلطة تقرير أي قدرات ذكاء اصطناعي يجوز إتاحتها للعامة، وما قد يعنيه ذلك من تكريس هيمنة شركات مثل OpenAI وAnthropic.
في تقديري، هذا الجدل تجاوزته الأحداث، ففكرة الاحتكار الأميركي للذكاء الاصطناعي لم تعد واقعية، إن كانت صحيحة أصلاً. والأجدى هو دعم شركات أميركية أخرى عبر السماح لها بترخيص تقنيات التقطير (Distillation)، وهي التقنية التي يُشتبه في أن الشركات الصينية استخدمتها للاستفادة من النماذج الأميركية المتقدمة وتقليص كلفة تطوير نماذجها الخاصة.
لكن مع تراجع احتمال الاحتكار، تتراجع أيضاً أسهل وسيلة للسيطرة على مخاطر الذكاء الاصطناعي قبل خروجه من المختبرات. وهذه المخاطر لا تقتصر على هجمات إلكترونية أو بيولوجية قد تنفذها جماعات إرهابية أو دول معادية، بل تشمل احتمال وقوع حادث ضخم يشبه كارثة تشيرنوبيل أو جائحة نشأت من سوق رطبة، لكن بصورة قد لا نستطيع حتى تخيلها الآن.
لهذا بدأت شخصيات بارزة في قطاع الذكاء الاصطناعي تطالب بإبطاء إطلاق النماذج الجديدة والتعاون بين الولايات المتحدة والصين. لكنني لا أراهن كثيراً على نجاح ذلك قبل وقوع حادث يفرض نفسه على الجميع.
هناك جانب آخر لا ينبغي تجاهله. صحيح أن مخاوف الأمن القومي الأميركي قد لا تؤثر كثيراً في قرار الشركات أو الأفراد باستخدام النماذج الصينية، لكن مخاطر سرقة البيانات والمسؤولية القانونية كفيلة بإعادة التفكير، ويكفي أن قرار Anthropic حجب نموذج Mythos يعكس إدراكاً لهذه المخاطر.
ويبقى السؤال الأهم: ماذا تعرف أجهزة الاستخبارات الأميركية عن العلاقة الحقيقية بين مختبرات الذكاء الاصطناعي الصينية والحزب الشيوعي الصيني؟ فالجميع يعلم أن الشركات الصينية مطالبة بالتعاون مع الدولة عندما تطلب منها ذلك. وإذا كانت لدى واشنطن معلومات إضافية عن حجم هذا الارتباط، فقد حان الوقت لإطلاع المستخدمين عليها قبل أن يأتمنوا نماذج ذكاء اصطناعي صينية على بياناتهم وأفكارهم.
هولمان دبليو جنكينز الابن