الاستثمار في الإنسان واجب وطني
لا أحد يختلف على أن المواطن الكويتي يجب أن يكون في مقدمة سوق العمل، وأن الاستثمار في الإنسان الكويتي واجب وطني لا يقبل المساومة، لكن السؤال الحقيقي هو: هل تكويت الوظائف بالشكل الحالي يحقق هذا الهدف، أم أنه يخلق أزمة جديدة يصعب علاجها؟ المشكلة ليست في تكويت الوظائف، بل في تحويله إلى هدف رقمي، وكأن نجاح المؤسسات يقاس بعدد الكويتيين على كشوف الرواتب، لا بمستوى الإنتاجية والكفاءة وجودة الخدمات. وعندما تصبح النسبة أهم من الأداء فإننا لا نبني اقتصاداً، بل نبني أرقاماً على الورق.
الكويت لم تنهض يوماً بإقصاء أحد، بل نهضت بعقول أبنائها وبالاستفادة من الخبرات التي شاركت في بناء مؤسساتها منذ تأسيس الدولة الحديثة، لذلك فإن أي سياسة توظيف يجب أن تقوم على نقل المعرفة، وتأهيل الكويتيين، وإعدادهم لقيادة القطاعات المختلفة، لا على استبدال موظف بآخر دون خطة واضحة أو فترة انتقالية مدروسة. المؤسف أن بعض الجهات أصبحت تنظر إلى التكويت باعتباره غاية بحد ذاته، بينما غابت الأسئلة الأهم: هل طورنا التعليم؟ هل أعددنا الكفاءات المطلوبة؟ هل وفرنا التدريب الحقيقي؟ وهل ربطنا الترقيات بالإنتاج والإنجاز؟ إذا كانت الإجابة بالنفي فإننا نؤجل المشكلة ولا نعالجها.
المجتمعات لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالعمل والجدارة، وعندما يشعر الشاب أن الوظيفة تأتي لمجرد الجنسية لا بسبب الكفاءة فإن قيمة الاجتهاد تتراجع، وتضعف ثقافة المنافسة، ويصبح الطموح المهني أقل حضوراً، هنا يبدأ الخلل الحقيقي، لأنه يصيب منظومة القيم قبل أن يصيب الاقتصاد. ما تحتاجه الكويت ليس حملة لتكويت الوظائف فقط، بل مشروع وطني لتكويت المعرفة والقيادة والإدارة والابتكار. نريد كويتياً ينافس لأنه الأفضل، لا لأنه الخيار الوحيد، ويقود المؤسسات لأنه الأكثر تأهيلاً، لا لأنه حقق نسبة في تقرير إداري.
إن حماية المجتمع تبدأ بحماية قيمة الكفاءة، فالدول القوية لا تقاس بنسبة المواطنين في الوظائف فحسب، بل بقدرتهم على الإنتاج والإبداع والابتكار، وإذا فقدنا هذا المعيار فإننا نخاطر بإضعاف مؤسساتنا من الداخل، مهما كانت الشعارات براقة، لذلك فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة النظر في فلسفة التوظيف نفسها، لتكون قائمة على التأهيل، ونقل الخبرة، والمنافسة العادلة، وربط الأداء بالمحاسبة، عندها فقط يصبح تكويت الوظائف وسيلة لبناء الدولة، لا مجرد عنوان سياسي أو إداري، وتتحول السياسة من سباق أرقام إلى مشروع وطني يصنع اقتصاداً أكثر قوة واستدامة.