على الطريق: في العراق... مَن يحكم مَن؟!
في كل مرة تتعرض بها دولة من دول الجوار لاعتداء ينطلق من الأراضي العراقية تعلن الحكومة العراقية فتح تحقيق، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو كم تحقيقاً فُتح وكم نتيجة أُعلنت وكم جهة تمت محاسبتها؟ إن تكرار هذا المشهد لا يعزز الثقة بل يكرس الانطباع بأن الدولة ما زالت عاجزة عن احتكار القرار الأمني.
كما أن الكثير يتساءل هل تنتظر الحكومة العراقية أن تُصدر هذه الميليشيات بياناً تتبنى فيه هذا الفعل حتى تتحرك؟ كفى كذباً ودجلاً وخداعاً لا ينطلي على أحد! لذا فإنه من حق الطيران السعودي وطيران دول الخليج العربي دك تلك الأوكار العفنة التي تجمع إرهابيين محسوبين على العراق وهواهم إيراني! ولاشك في أن النفوذ الإيراني داخل العراق يمثل أحد أبرز التحديات أمام استقلال القرار الوطني، فالفصائل المسلحة التي تدين بالولاء للنظام في طهران تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً واسعاً، الأمر الذي يجعلها قادرة على التحرك خارج إطار مؤسسات الدولة، ويرى الكثير أن النظام الإيراني الذي يواجه ضغوطاً اقتصادية وعقوبات دولية لا يزال يعتبر العراق أهم أوراقه الاستراتيجية ويسعى إلى الحفاظ على هذا النفوذ بكل الوسائل.
ويثير القلق أن تتزامن الزيارات الرسمية بين بغداد وطهران مع حوادث أمنية تستهدف دولاً خليجية بما في ذلك تقارير عن إطلاق طائرات مسيّرة باتجاه دول في المنطقة. وحتى في حال عدم تبني أي فصيل مسؤوليته فإن مثل هذه الأحداث تلقي بظلالها على صورة العراق وعلاقاته الإقليمية، وتفرض على الحكومة مسؤولية مضاعفة في كشف الحقائق واتخاذ إجراءات حاسمة.
إن العلاقات العراقية مع الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي ليست علاقات هامشية بل تمثل فرصة استراتيجية للعراق لتعزيز الاستثمار والتنمية والاستقرار، وهذه العلاقات لا يمكن أن تزدهر في ظل استمرار نشاط جماعات مسلحة تتصرف خارج سلطة الدولة أو تهدد أمن الدول المجاورة.
لذلك فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء ببيانات الإدانة أو لجان التحقيق، وإنما الانتقال إلى مرحلة فرض القانون وحصر السلاح بيد الدولة ومحاسبة كل من يثبت تورطه في أي اعتداء وفقاً للقانون والأدلة مع إعلان نتائج التحقيقات للرأي العام بشفافية.
إن استعادة العراق لدوره العربي والإقليمي تبدأ من استعادة هيبة الدولة وسيادتها على كامل أراضيها، فالدول تُقاس بقدرتها على تنفيذ القانون وحماية جيرانها من أي تهديد ينطلق من أراضيها وصيانة مصالحها الوطنية بعيداً عن أي نفوذ خارجي. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه بغداد اليوم، وهو المعيار الذي سيحدد مستقبل علاقاتها مع محيطها الخليجي والعربي.