من «ماناس» إلى إيسيك كول... قيرغيزستان لديها الكثير لتقدمه
على هامش قمة وسائل الإعلام ومراكز الفكر في منظمة شنغهاي للتعاون، نُظمت للمشاركين رحلتان ميدانيتان للتعرف عن قرب على قيرغيزستان، بعيداً عن قاعات المؤتمرات. وكانت المحطة الأولى بيشكيك، عاصمة البلاد، في حين قادت الثانية إلى منطقة إيسيك كول، حيث الطبيعة الجبلية والبحيرة الأشهر في البلاد.
في بيشكيك، يلفت الزائر منذ اللحظة الأولى حضور الفضاءات العامة في حياة المدينة. وفي قلب العاصمة، تستقبل ساحة «آلا- توو» مئات الآلاف من السكان والزوار على مدار العام، في حين يقف في وسطها تمثال «ماناس الجسور»، بطل الملحمة القيرغيزية الشهيرة «ماناس»، التي تعد من أطول الملاحم الشعرية في العالم، وترمز إلى وحدة الشعب القيرغيزي وقوته. وعلى الجهة المقابلة للساحة، يحضر اسم آخر من أبرز رموز البلاد، الأديب والشاعر والكاتب العالمي جنكيز آيتماتوف، في تمثال يذكّر بمكانته الاستثنائية في الذاكرة الثقافية القيرغيزية.
وتبدو آثار الحقبة السوفياتية حاضرة بقوة في مشهد بيشكيك، خصوصاً في المربع الحكومي، حيث لا يزال تمثال ضخم لفلاديمير لينين يقف قبالة مبنى الحكومة، شاهداً على مرحلة تركت بصمتها العميقة على المدينة والبلاد. وفي المقابل، تمنح الحدائق العامة، مثل حديقة السنديان وحديقة بانفيلوف، العاصمة وجهاً أكثر هدوءاً وحميمية، ففي ساعات العصر، تمتلئ بالمواطنين الذين يخرجون للجلوس والتنزه وقضاء الوقت.
لكن بيشكيك ليست مدينة عالقة في الماضي. فالعاصمة تشهد ورشة إعمار وتوسع لافتة، وتتنافس فيها الفنادق والمطاعم والمجمعات التجارية، في مشهد يعكس تحولاً كبيراً مقارنة بالمدينة المحدودة التي كانت عليها قبل عقدين فقط.
أما الرحلة الثانية، فقادت المشاركين إلى منطقة إيسيك كول، حيث تقع البحيرة التي تحمل الاسم نفسه، والتي يطلق عليها البعض «بحر قيرغيزستان». وفي بلد حبيس لا يطل على البحار، تبدو إيسيك كول أشبه بمفاجأة طبيعية، فالبحيرة تمتد أكثر من 180 كيلومتراً طولاً ونحو 60 كيلومتراً عرضاً، وتتميز بمياه مالحة نسبياً وشواطئ رملية ومنتجعات تنتشر على امتداد ساحلها.
وتقع إيسيك كول على ارتفاع نحو 1600 متر، وتحيط بها الجبال التي تشكل جزءاً أساسياً من جغرافية قيرغيزستان، حيث تغطي المرتفعات نحو 90 في المئة من مساحة البلاد. ولهذا تبدو الرحلة إليها انتقالاً سريعاً من العاصمة إلى عالم مختلف تماماً، حيث تتجاور مياه البحيرة مع الجبال والمنتجعات. وشملت الجولة كذلك منتجع «آلا- توو» للتزلج، في مشهد آخر من طبيعة البلاد التي تجعل السياحة الجبلية أحد أبرز عناصر جاذبيتها.
لكن ربما يكون أكثر ما يبقى من زيارة قيرغيزستان هو الناس. فالقيرغيز يتميزون بالود وكرم الضيافة، ويبدو انفتاحهم على التنوع والاختلاف جزءاً طبيعياً من شخصية تشكلت عبر تاريخ طويل تعاقبت فيه حضارات وقوى مختلفة على المنطقة. ولا يزال كثير من القيرغيز يتحدثون الروسية إلى جانب لغتهم المحلية، فيما تنتشر الإنكليزية بدرجات متفاوتة، ولا سيما بين الأجيال الشابة.
ويبدو القيرغيز، في الوقت نفسه، شديدي الاعتزاز بهويتهم الوطنية، لكنهم يتعاملون مع تاريخهم بقدر لافت من التصالح، فلا تبدو الأحقاد التاريخية عبئاً يقيّد الحاضر، بقدر ما ينظرون إلى الماضي باعتباره جزءاً من هوية مركبة ومتنوعة. وربما يفسر ذلك شيئاً من التفاؤل الذي يطبع نظرتهم إلى المستقبل، في بلد صغير يتزايد موقعه الاستراتيجي أهمية يوماً بعد يوم، ويكتشف العالم فيه وجهاً جديداً من آسيا الوسطى.