الأغلبية الصامتة: المندهشون
لديك ذاكرة جيدة، أكمل معي المقال، فهو موجه لمن عاصر و«تعلم» من كارثة الغزو العراقي الغاشم لدولة الكويت قبل 36 عاماً، لقد اكتشفت من خلال التجربة ومعاينة ردود الأفعال أن ذاكرة الناس مع الأحداث الكبرى مدهشة لأبعد حد، فهناك من يعاصرها وينسى سريعاً، وهناك من لا يعرفها لأنه كان صغيراً يسأل عنها كثيراً، أما من عاش ويذكر فهو أكثر من يعاني من المعلومات المغلوطة عندما ينثرها الناسخون في «الواتس».
فمثلاً مرت علينا قبل 6 سنوات فقط، جائحة كورونا بكل تفاصيلها التي شلّت الكرة الأرضية بأسرها، واليوم نُسيت ولم تعد حاضرة في مجالسنا، ولو على سبيل التندر، أنا لا أعني هنا أن تتحول «كورونا» إلى أغنية خالدة نرددها كل يوم، ولكن أين ذكرها كسبب في تعطيل الكثير من مشاريع السفر كلما ركبنا الطائرة وقلنا «الحمد لله راحت تلك الأيام»، وحتى عبارة «العزاء في المقبرة» لم يعد أحد يذكر من أين جاءت؟ رغم أنها تكرست بسبب «كورونا»!
نعود إلى ذكرى الغزو ودروسه فمن يعانون النسيان لم ينقلوا دروس الغزو الثمينة للأجيال التالية، وخصوصاً في نظرتنا للعالم وقضاياه ولغة المصالح التي تحكمه، ومن وقف معنا ومن وقف مع الباطل ومن اختار وضع «الصامت»، تلك الدروس ليست محاضرات أكاديمية ولكنها قصص عشناها نستطيع سردها بكلمات بسيطة ومباشرة.
كل ما سبق وأكثر أستطيع التعايش معه بصورة أو بأخرى، ما عدا النقاش حول الطريقة التي نؤمّن فيها أنفسنا، فمن عاش مرارة الغزو والغدر ونكران الجميل يحق له أن يحصّن نفسه بالطريقة التي يراها مناسبة، وخصوم غيرنا ليسوا بالضرورة خصومنا، وأقول هذا الكلام لمن يردد أن لدينا قواعد أميركية واتفاقيات أمنية مع دول عظمى، ونسوا أن الغزو العراقي هو السبب، لأنهم كانوا معه بالأمس بنفس الخندق، واليوم هم في خندق النظام الإيراني، فأي أمان نرجوه من هذه الجيرة البائسة؟
في الختام، دروس الغزو التي نسيت، تجددت بصيغ متجددة مع العدوان الإيراني على الكويت ودول الخليج والأردن، في زمن أصبح التوثيق فيه أسهل من أي وقت مضى، وكل ما أتمناه بعد زوال هذه الغمة، أن يختفي المندهشون من حياتنا للأبد، خاصة من عاش تجربة الغزو ولم يتعلم منها شيئاً، فهم لا يزالون «مندهشين» من بعض المواقف العربية المهللة للصواريخ التي تنزل علينا، أيها السادة «ارحمونا»، لقد مرت 6 أشهر تقريباً... ألم تتعلموا من هذا الدرس أيضاً؟