تُكشَف المعادن في لحظة!
شتّان بين الحكمة والانفعال، ففي أوقات الأزمات والحروب، وفي ظل التصريحات المتوترة والتصعيد، تنكشف قوة العقل. فالقرارات التي تُتخذ في أوج الانفعال قد ترسم مستقبل أمة بأكملها!
الحروب لا تفضح نوايا الخصوم بقدر ما تكشف حقيقة من يخوضها. ففي لحظات التصعيد، تتساقط الأقنعة، وتظهر الأولويات الحقيقية. هناك من يحصر معركته في خصمه، وهناك من يوسّع دائرة النار حتى تطال من لم يكن يوماً طرفاً فيها، فيتحول الرد من «العين بالعين» إلى «عليَّ وعلى أعدائي» أو «أنا وبعدي الطوفان»!
ما طال دول الخليج من الحرس الثوري لم يكن مجرد حدث عسكري، بل كان شرخاً في الثقة. فمن الصعب أن يفهم الإنسان كيف يمكن أن تتحول الجغرافيا المشتركة، والدين الواحد، والتاريخ الممتد، وروابط التجارة والمصاهرة والجوار، إلى أمور قد تُلقي بالمنطقة كلها في مهب التوتر والتصعيد.
إن من يعتقد أن اتساع رقعة الصراع يمنحه قوة، يغفل عن حقيقة بسيطة، أن أول من يصفق لهذا المشهد هم أولئك الذين لطالما سعوا إلى شرق أوسط ممزق، تتآكل فيه الثقة بين جيرانه، وينشغل أبناؤه ببعضهم بدل أن يدركوا من المستفيد الحقيقي من هذا الانقسام.
كان بإمكان الخلاف أن يبقى محصوراً بين أطرافه حتى لو تيقن الحرس الثوري أن الهجمات تستغل قواعد في المنطقة، فعلى رد الفعل أن يكون على الهدف وليس على غيره، وأن تُدار المعركة بمنطق المسؤولية لا بمنطق الانفعال.
ما يؤلم حقاً هو سقوط صورة الجار في الوجدان. فالثقة لا تهدمها سوى الأفعال. وعندما يكون أمن وسيادة الدول ورقة في صراع لا علاقة لها به، فإن شيئاً عميقاً ينكسر، وربما لا يُرمم بسهولة.
لطالما آمنت شعوب الخليج أن حسن الجوار ليس اتفاقاً سياسياً مؤقتاً، بل قيمة أخلاقية قبل أن يكون مصلحة. ولذلك يكون وقع الخذلان أشد حين يأتي ممن كان يُفترض أن تجمعنا به روابط تتجاوز حدود السياسة.
وما زلت أومن أن سيادة الدول عليها أن تُصان كما تُصان الكرامة، لا ساحةً تُرسل إليها رسائل الغضب والثأر غير المبرر، مهما حاول الثوريون التبرير - تظل الكويت ثابتةً على نهجها، وطناً للأمن، ومنارةً للسلام، وصوتاً للإنسانية. لم يكن حضورها يوماً في ميادين الخصومة، بل في ميادين العطاء، ومدّ جسور الخير، وإغاثة المحتاج، لتبقى رسالتها أسمى من أن تُقاس بصخب الصراعات.