شوشرة: حكيم
المستشرق ليس بالضرورة هو الرجل الغربي الذي يصول ويجول في الشرق لدراسة الثقافات والحضارات والشعوب وغيرها من الإصدارات التي تترجم رحلة سنوات وتلخص أحداثاً مختلفة، لأن هناك من يستشرق الآخرين وهو حاضر بينهم، لأنه يملك خاصية التعرف على ما تخبئه الأقنعة التي يرتديها البعض ليخرجوا أمام الملأ بهيئة بشر، بينما هم في حقيقة الحال عكس ذلك تماماً.
ولعل ممن لفت انتباهي المستشرق عبدالحكيم، وهو صديق يمتاز بالحنكة والحكمة ورجاحة العقل والتدبر والتدبير، خصوصاً عندما يلتقط أطراف الحديث حول موضوع ما ليتحول النقاش إلى منهج تعليمي يقتصر على المبدعين، فلديه رؤية ثاقبة في الكشف عن حقيقة ما تخفيه بعض الابتسامات وترجمة الإيماءات الصادرة عنها، فضلاً عن الاستشراق عبر عملية التكيف مع مختلف الأفكار للوصول إلى نتائج واضحة وملموسة عمن يمتازون بالجلوس خلف الستار أو تلك الدمى التي تحركها الأصابع الواهمة لتلويث الأجواء بسموم الإحباط والسلبية، فعندما يبدأ حكيمنا الفاضل الحديث بابتسامة، فإنه يمهد الطرق للوصول إلى القلوب الناعسة لتتحرك مياهها الراكدة وتصحو من غفلتها حتى لا تنزلق في أرضية صلبة بلا جليد، يخطو نحوها لتسليط الضوء على الأمور التي تلامس هموم الآخرين لتخفف معاناة الذين يستشعرون بحرقة دموعهم التي تذرف معها أحزان أعوام من العجز أمام مخاض عسير بسبب الظروف الصعبة وغيرها من الأمور التي تظهر عادة مع متطلبات الحياة المختلفة.
يلخص حكيمنا الحياة في أنها مسار يحتاج من الجميع بلا استثناء إلى تجاوزه بالعقل والحنكة اللذين لن يتحققا إلا عبر ذلك الهدوء الذي يغطي جدراناً أكل الدهر عليها وشرب حتى تصمد أمام العواصف الهائجة، والأمر الآخر هو عدم التعويل على الآخرين، لأنهم سرعان ما يخذلونك لأنهم لا يؤمنون بمبادئ الحياة السامية، فسيتحول هذا الخذلان إلى حالة من الإحباط والاكتئاب، أما الأمر الأكثر أهمية فهو الابتعاد عن أشباه الرجال، لأنهم يظهرون على شاكلة الأشقياء، بينما حقيقة حالهم تكشفها تلك الأبواب المغلقة التي يختبئون خلفها خوفاً من المواجهة الصعبة التي ستضعهم أمام واقعهم البائس، رغم أنهم في كل الأحوال لن يشعروا بمرارة الأمر بعد أن اعتادوا على دناءة ما يعيشونه.
إن عملية الاستشراق التي يصفها حكيمنا لا تكمن في السفر والبحث بينما نحتاج أولاً للاستشراق فيمن يعيشون بيننا والبحث في حقيقتهم حتى يكون لهم سجل يسرد واقعهم ليصبحوا عبرة لمن لم يعتبر ومثالاً يتم الاستدلال به مستقبلاً لتقليص الفوارق في أعداد هؤلاء الذين أصبحوا كالفيروسات التي سرعان ما تنتشر لتصيب الآخرين بأعراضها المختلفة.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل تستحق النفس إيذاءها بسب اعتقاد أن هناك من يشكلون أهمية أو جانباً مضيئاً في حياتنا، بينما هم في حقيقة الأمر العتمة التي تلاحق الأبرياء، والظلام الدامس الذي يحل عليهم حتى لا يصلوا إلى الطريق الصحيح بعد أن فقدوا البصيرة بسبب هذه الزمرة التي تعد مجرد رقم يضاف إلى تعداد البشر.
آخر السطر: حتى لا ننسى، لنجمع الدفاتر ونسجل الفواتير.