عيد العرش... رؤية ملكية ترسخ التنمية وتعزز الشراكات الدولية
تحتفل المملكة المغربية، اليوم الخميس 30 يوليو، بالذكرى السابعة والعشرين لتربع الملك محمد السادس على عرش أسلافه المنعمين، وهي من أبرز المناسبات الوطنية التي تحظى بمكانة خاصة في وجدان الشعب المغربي، لما تجسده من استمرارية الدولة المغربية، ووحدة الأمة، وعمق العلاقة التاريخية التي تربط العرش العلوي المجيد بالشعب المغربي، في إطار البيعة الشرعية التي شكلت، على امتداد قرون، أحد الثوابت المؤسسة للدولة المغربية وعنواناً لاستقرارها ووحدتها.
ويكتسب عيد العرش بعداً يتجاوز رمزيته التاريخية، إذ يشكل محطة سنوية لتقييم حصيلة الأوراش الكبرى التي تعرفها المملكة، وتجديد العزم على مواصلة مسيرة الإصلاح والتنمية، فمنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، انخرط المغرب في مسار تحول شامل، قوامه تحديث الاقتصاد، وتعزيز الاستثمار، وتطوير البنيات التحتية، وترسيخ العدالة المجالية، وتوسيع انفتاح المملكة على محيطها الإقليمي والدولي، بما جعلها اليوم شريكاً موثوقاً وفاعلاً يحظى بالتقدير على المستويين الإقليمي والدولي.
وقد قامت الرؤية الملكية على إدراك عميق للترابط بين الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية، وبين قوة المؤسسات وجاذبية الاستثمار، وبين التقدم الاجتماعي والانفتاح على العالم. ومن هذا المنطلق، لم تكن الإصلاحات التي شهدتها المملكة مجرد استجابة ظرفية للتحولات الدولية، بل اندرجت ضمن مشروع وطني متكامل، جعل من الاستثمار رافعة للتنمية، ومن البنيات التحتية محركاً للتنافسية، ومن الرأسمال البشري أساساً للإقلاع الاقتصادي.
وقد أثمرت هذه الرؤية نتائج ملموسة، حيث سجل الاقتصاد المغربي خلال سنة 2025 نمواً بلغت نسبته 4.9 بالمئة، فيما بلغ الناتج الداخلي الخام نحو 1.72 تريليون درهم، بما يعكس متانة الاقتصاد الوطني وقدرته على التكيف مع التقلبات الدولية، مستفيداً من تنوع قاعدته الإنتاجية، واستقرار مؤسساته الاقتصادية والمالية، واستمرار الإصلاحات الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال وتعزيز ثقة المستثمرين.
كما واصل المغرب ترسيخ حضوره داخل سلاسل القيمة العالمية، حيث بلغت صادرات المملكة من السلع نحو 469 مليار درهم خلال سنة 2025، في حين ارتفعت إيرادات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى أكثر من 56 مليار درهم، وهو ما يعكس جاذبية الاقتصاد المغربي وما يوفره من استقرار قانوني ومؤسساتي، وبنيات تحتية متطورة.
وفي المجال الصناعي، أصبح المغرب أول منتج للسيارات في القارة الإفريقية، بطاقة إنتاجية تناهز 700 ألف سيارة سنوياً، وبنسبة إدماج محلي تقارب 70 بالمئة، مع استهداف رفعها إلى 80 بالمئة مع حلول سنة 2030، كما شهد قطاع صناعة الطيران تطوراً ملحوظاً، إذ تحتضن المملكة اليوم نحو 150 شركة متخصصة، توفر قرابة 26 ألف منصب شغل مباشر، وتساهم في تصنيع مكونات لفائدة كبريات الشركات العالمية بنسية إدماج محلي وصلت إلى 42 بالمئة.
وفي مجال الانتقال الطاقي، تواصل الطاقات النظيفة في المغرب تسجيل منحى تصاعدي لافت، مع اقتراب المملكة تدريجياً من تحقيق هدفها الاستراتيجي المتمثل في بلوغ 52 بالمئة من مزيج الكهرباء الوطني بحلول عام 2030.
كما عززت المملكة موقعها كمنصة لوجستية ذات امتداد عالمي بفضل المركب المينائي طنجة المتوسط، الذي عالج خلال سنة 2025 أكثر من 11 مليون حاوية، مكرساً مكانته كأول ميناء في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، ومركزاً محورياً لربط المغرب بأهم مسارات التجارة الدولية.
ويشكل تنظيم المملكة المغربية، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لنهائيات كأس العالم لكرة القدم 2030، محطة جديدة في مسارها التنموي، وفرصة تاريخية لتسريع الاستثمار في البنيات التحتية، والنقل، والسياحة، والتنمية الحضرية، والخدمات والاقتصاد الرقمي. كما يعكس هذا الاستحقاق الدولي ما راكمته المملكة من خبرة تنظيمية، وما تحظى به من ثقة لدى شركائها على الصعيد العالمي.
وفي هذا السياق، تواصل الأقاليم الجنوبية للمملكة الدينامية التنموية الوطنية، في إطار النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية الذي أطلقه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بغلاف مالي يناهز 87.5 مليار درهم. وقد شملت المشاريع المنجزة أو الجاري تنفيذها قطاعات الطرق والموانئ والطاقات المتجددة والصيد البحري والصناعة والخدمات، فضلاً عن تطوير المرافق الاجتماعية والتكوين والبنيات الحضرية.
ويبرز مشروع ميناء الداخلة الأطلسي في صدارة هذه الأوراش الاستراتيجية، لما سيتيحه من تعزيز تنافسية الأقاليم الجنوبية، ودعم انفتاحها على محيطها الإفريقي والأطلسي، وترسيخ مكانتها كقطب اقتصادي صاعد ومنصة للتبادل والاستثمار.
ويتوازى هذا المسار التنموي مع المكاسب الدبلوماسية المتواصلة في ظل تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، باعتبارها الحل الجاد والواقعي وذي المصداقية، وفق ما كرسته قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وآخرها القرار رقم 2797 الذي صدر في 31 أكتوبر 2025، والذي اعتبر أن حكماً ذاتياً حقيقياً تحت السيادة المغربية هو الحل الأكثر قابلية للتطبيق لتسوية النزاع الإقليمي المفتعل.
ويؤكد هذا التطور وجاهة المقاربة التي يقودها الملك محمد السادس، والتي تجمع بين صيانة الوحدة الترابية، وتعزيز التنمية، وبناء الشراكات القائمة على الوضوح والثقة والاحترام المتبادل.
وفي هذا المقام، لا يسعنا إلا أن ننوه بالموقف الأخوي والثابت لدولة الكويت الشقيقة، قيادةً وحكومةً وشعباً، الداعم للوحدة الترابية للمملكة المغربية، ولمبادرة الحكم الذاتي، وهو موقف نبيل ما فتئت تؤكده دولة الكويت في مختلف المحافل الإقليمية والدولية، ويعكس عمق العلاقات الأخوية والتضامن الصادق الذي يربط البلدين الشقيقين.
وعلى صعيد العلاقات الثنائية، تواصل المملكة المغربية ودولة الكويت الشقيقة ترسيخ شراكة متميزة، تستند إلى روابط أخوية راسخة وإلى علاقات تاريخية يطبعها التضامن والاحترام المتبادل، وتستمد قوتها من الإرادة المشتركة لقائدي البلدين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وأخيه صاحب السمو الشيخ مشعل الأحمد، حفظهما الله، في الارتقاء بالتعاون الثنائي إلى مستوى ما يجمع الشعبين الشقيقين من أواصر الأخوة والتقدير.
وقد عرفت العلاقات الاقتصادية المغربية - الكويتية خلال السنة الماضية دينامية إيجابية، تجسدت في تنظيم ملتقيين اقتصاديين بدولة الكويت، بشراكة مع غرفة تجارة وصناعة الكويت، والوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات، والكونفدرالية المغربية للمصدرين، والفدرالية المغربية للصناعات الغذائية، وأسهمت هذه اللقاءات في توسيع قنوات التواصل بين رجال الأعمال، والتعريف بالفرص الاستثمارية المتاحة، واستكشاف مجالات جديدة للتعاون المشترك.
وإذا كانت الأرقام والمؤشرات تعكس حجم التحول الذي عرفته المملكة فإن أهميتها الحقيقية تكمن فيما تجسده من استمرارية في الرؤية وثبات في الاختيارات، فالمغرب لم يبن تنافسيته الاقتصادية على ظرف عابر، بل على مشروع طويل المدى، يقوم على قوة المؤسسات، وتطوير البنية التحتية، والاستثمار في الإنسان، والانفتاح على الشراكات المتوازنة، والثقة في قدرة المملكة على تحويل تحديات العصر إلى فرص للتقدم.
وإذا كانت الذكرى السابعة والعشرون لعيد العرش المجيد مناسبة لاستحضار ما تحقق من منجزات، فإنها تمثل، في الآن ذاته، محطة لتجديد الثقة في مستقبل المملكة المغربية، وفي قدرتها على مواصلة ترسيخ نموذج تنموي يقوم على الاستقرار، والانفتاح، والابتكار، والاستثمار.
كما تشكل هذه المناسبة فرصة لتأكيد الإرادة المشتركة للمملكة المغربية ودولة الكويت الشقيقة في مواصلة الارتقاء بعلاقاتهما الثنائية إلى مستويات أرحب، بما ينسجم مع الرؤية الحكيمة لقائدي البلدين، ويواكب ما يتيحه البلدان من فرص واعدة للتعاون الاقتصادي والاستثماري والثقافي والإنساني، خدمةً للمصالح المشتركة، وتجسيداً لما يجمع الشعبين الشقيقين من روابط الأخوة والتقدير والاحترام المتبادل.
* سفير المملكة المغربية لدى الكويت