وجهة نظر: ما بعد التوزيع التجاري... كيف يمكن للكويت ودول الخليج بناء الجيل الجديد من الثروة الصناعية؟

نشر في 30-07-2026
آخر تحديث 29-07-2026 | 18:26
 عبدالله حسن ثاكور

شهد الاقتصاد العالمي خلال العقد الماضي واحدة من أكبر التحولات الهيكلية في تاريخه الحديث. فقد أعادت التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وجائحة «كوفيد ــ 19»، واضطرابات سلاسل الإمداد، والاهتمام المتزايد بتعزيز المرونة الاقتصادية، صياغة طريقة تفكير الحكومات والشركات في التجارة الدولية.

وبرز من هذه التحولات درس واضح، مفاده أن الاقتصادات الحديثة أصبحت تُقاس بشكل متزايد بقوة منظوماتها الصناعية وقدرتها على الإنتاج، وليس بحجم تجارتها فقط.

وفي قلب هذه المنظومات تحتل الصين مكانة استثنائية، ليس من منظور سياسي، وإنما من زاوية اقتصادية بحتة.

فالصين هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ومن أكبر المساهمين في النمو الاقتصادي العالمي، كما تستحوذ على نحو 30 في المئة من القيمة المضافة للصناعة التحويلية عالمياً، وتُعد أكبر دولة مصدرة للسلع. وتمتد قدراتها الصناعية إلى مجالات الهندسة المتقدمة والإلكترونيات والآلات والسيارات الكهربائية والبطاريات والصناعات الدوائية وتقنيات الطاقة المتجددة. ومن الهواتف الذكية والمعدات الطبية إلى الآلات الصناعية والمنتجات الاستهلاكية، تؤدي الصين دوراً محورياً في سلاسل التوريد التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الحقيقة باعتبارها دعوة للاعتماد على دولة واحدة، بل باعتبارها دليلاً على أهمية بناء شراكات دولية متنوعة وأكثر قدرة على مواجهة التحديات. وبالنسبة للكويت ودول مجلس التعاون الخليجي، فإن ذلك يمثل فرصة للمشاركة بصورة أعمق في الصناعات التي سترسم ملامح النمو العالمي خلال السنوات المقبلة.

وعلى مدى أكثر من نصف قرن، شكلت الشركات العائلية العمود الفقري للتنمية الاقتصادية في دول الخليج. ففي الكويت والسعودية والإمارات وقطر والبحرين وسلطنة عمان، نجحت العائلات التجارية في بناء مؤسسات رائدة في مجالات التجارة والتوزيع والمقاولات والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية والقطاع المالي والعقارات، وهو نموذج حقق ثروات كبيرة وأسهم في تحويل المنطقة إلى واحدة من أكثر البيئات التجارية نشاطاً في العالم.

ولا يزال هذا النموذج ناجحاً حتى اليوم، إلا أن الصناعة العالمية تشهد تحولاً متسارعاً.

فالشركات العالمية لم تعد تبحث فقط عن موزعين لمنتجاتها، بل أصبحت تبحث عن شركاء استراتيجيين قادرين على دعم عمليات التصنيع والتجميع والهندسة والخدمات اللوجستية وتكامل التكنولوجيا والبحث والتطوير وخدمات ما بعد البيع والتوسع الإقليمي.

وبعبارة أخرى، لم يعد السؤال: «من يستطيع توزيع منتجاتنا؟»، بل أصبح: «من يستطيع أن يشاركنا في بناء منصتنا الصناعية الإقليمية المقبلة؟».

وقد يكون هذا التحول هو ما سيحدد شكل الثروة الخليجية في المرحلة المقبلة.

ويؤكد التاريخ أن العديد من أكبر الشركات العالمية وأكثرها قيمة بنت نجاحها على امتلاك الإنتاج والتكنولوجيا والملكية الفكرية والمنظومات الصناعية المتكاملة. ولذلك، فإن المرحلة المقبلة أمام الشركات الخليجية قد لا تقتصر على استيراد المنتجات، بل تمتد إلى المشاركة في تصنيعها وتطويرها.

وتبدو الكويت في موقع مناسب للاستفادة من هذا التحول. فهي تمتلك قطاعاً خاصاً يتمتع بخبرة طويلة، وأحد أقدم الصناديق السيادية في العالم، وقطاعاً مالياً متطوراً، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي الذي يربط دول الخليج بالعراق والأسواق الإقليمية. كما تسعى، من خلال رؤية الكويت 2035، إلى تنويع اقتصادها وتعزيز دور القطاع الخاص.

وفي هذا الإطار، يعكس مشروع ميناء مبارك الكبير، الذي يُنفذ بالشراكة مع شركة الصين للاتصالات والإنشاءات، رؤية طويلة الأمد. فالموانئ الحديثة لا تحقق قيمتها الحقيقية من خلال حركة الشحن فقط، بل عندما تتحول إلى مراكز للصناعة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والمقار الإقليمية والصناعات الموجهة للتصدير. وإذا أُحسن استثمار هذا المشروع، يمكن للكويت أن تعزز مكانتها ليس فقط كمركز تجاري، وإنما كبوابة صناعية وتجارية تخدم المنطقة كلها.

وهنا تتكامل نقاط القوة بين الكويت والصين. فالصين تمتلك قاعدة صناعية واسعة وخبرة هندسية وسلاسل توريد عالمية، بينما توفر الكويت رؤوس الأموال والمجموعات التجارية ذات الخبرة والموقع الاستراتيجي والعلاقات الاقتصادية العميقة في المنطقة.

ومن شأن هذا التكامل أن يفتح المجال أمام شراكات تتجاوز العلاقة التقليدية بين البائع والمشتري.

فمن الممكن، على سبيل المثال، أن تؤسس شركات التكنولوجيا الطبية مصانع للتجميع في الكويت، أو أن تدخل شركات الروبوتات والأتمتة الصناعية والطاقة النظيفة في شراكات مع مستثمرين كويتيين لتلبية احتياجات أسواق الشرق الأوسط والدول المجاورة. وفي هذه الحالة، لن يكون دور الشركات الكويتية مجرد موزع، بل مستثمر وشريك صناعي وصاحب مصلحة طويلة الأجل.

ولا يتعلق الأمر باستبدال نماذج الأعمال الناجحة، وإنما بتوسيعها وإضافة بُعد صناعي جديد إليها.

كما أن هذه الفرصة لا تقتصر على الكويت وحدها، بل تمتد إلى مختلف دول مجلس التعاون الخليجي. فمبادرات مثل رؤية السعودية 2030، واستراتيجية «عملية 300 مليار» في الإمارات، وغيرها من الخطط الوطنية، تشترك جميعها في هدف واحد يتمثل في بناء اقتصادات أكثر تنوعاً واعتماداً على الابتكار. وفي إطار هذه الرؤية، يمكن أن يشكل التعاون الصناعي الأعمق مع الصين أحد المسارات المهمة لتحقيق نمو اقتصادي طويل الأمد، إلى جانب الحفاظ على علاقات اقتصادية متوازنة مع مختلف الشركاء الدوليين.

ونادراً ما تتقاطع في التاريخ عدة تحولات كبرى في الوقت نفسه. واليوم، يشهد العالم إعادة تشكيل لسلاسل التوريد، وتوسعاً للشركات الصناعية خارج أسواقها التقليدية، وتسارعاً في جهود التنويع الاقتصادي في دول الخليج.

وبالنسبة للكويت، تمثل هذه التطورات فرصة للبناء على عقود من النجاح التجاري. فقد نجحت الشركات الكويتية لعقود في ربط الشركات العالمية بالأسواق الإقليمية، وربما تكون المرحلة المقبلة هي المشاركة في بناء الصناعات التي تخدم تلك الأسواق.

ليس بديلاً عن التجارة، بل هو مكمل لها. فإذا كانت التجارة والتوزيع قد شكلا أساس الازدهار الخليجي خلال العقود الخمسة الماضية، فإن العقود الخمسة المقبلة قد تكون عنوانها الشراكات الصناعية، والتعاون التكنولوجي، والاندماج في سلاسل القيمة العالمية ذات القيمة المضافة الأعلى.

وهذه، بالنسبة للكويت ودول مجلس التعاون الخليجي، قد تكون واحدة من أهم الفرص الاقتصادية التي سيشهدها الجيل القادم.

* الرئيس التنفيذي لشركة دو كابيتال في سي، ومحاضر زائر في ريادة الأعمال، ومؤسس الغرفة الإسلامية العالمية للتجارة والصناعة عبر الإنترنت. وهو أيضاً متحدث عالمي في مجالات الاستراتيجية وتطوير الشركات الناشئة، ويُعرف برؤاه في الاقتصاد وبناء منظومات أعمال مبتكرة، وأخلاقية، وقابلة للتطوير.

اقرأ المزيد: https://www.aljarida.com/article/139276

back to top