إنسان مؤجل... حتى إشعار آخر

نشر في 29-07-2026
آخر تحديث 28-07-2026 | 20:04
 ناصر الجعفري

في كل مجتمع هناك إنسان لا ينقصه الذكاء ولا الإرادة، ولا القدرة على الإنجاز، لكنه يعيش مؤجلاً، مؤجلاً لأن الفرصة لم تأتِ، أو لأن الكفاءة لم تكن معيار الاختيار، أو لأن الطريق امتلأ بعقبات لا علاقة لها بالعمل أو الإبداع. 

وهنا تكمن واحدة من أخطر المشكلات التي تواجه المجتمعات فحين يُؤجَّل الإنسان، لا نخسر فرداً فقط، بل نخسر فكرةً كان يمكن أن تغيّر واقعاً، ومشروعاً كان قادراً على خلق فرص جديدة، وعقلاً ربما كان سبباً في نهضة أمة. التاريخ يعلمنا أن الحضارات لم تُبنَ بالثروات وحدها، بل بالعقول التي أُحسن اكتشافها ورعايتها، فكم من عالمٍ أو مفكرٍ أو مبدعٍ لم يجد من يؤمن بقدراته في بداياته، ولو استسلم لليأس لما عرفه العالم، وفي المقابل كم من طاقاتٍ اندثرت لأنها وُضعت على الهامش، أو لأنها اصطدمت بواقعٍ لا يكافئ المجتهد بقدر ما يكافئ صاحب العلاقات أو النفوذ. 

الأمم التي تتقدم لا تسأل: من تعرف؟ بل تسأل: ماذا تستطيع أن تقدم؟ هناك تُفتح الأبواب للكفاءة، ويصبح الإنجاز هو اللغة الوحيدة التي تمنح صاحبها مكانته.

أما حين تغيب العدالة في الفرص، فإن أول الخاسرين هو الوطن، لأن الكفاءات إما أن تنسحب بصمت، أو تبحث عن بيئةٍ أخرى تُقدِّر ما تملك من علم وخبرة.

وليس المقصود بالتمكين مجرد منح المناصب، بل توفير بيئة تسمح للإنسان بأن يفكر ويجرب ويخطئ ويتعلم، ويبدع، فالنجاح لا يولد في بيئةٍ تخشى الأفكار الجديدة، ولا في مؤسساتٍ ترى المبادرة تهديداً، بل في أماكن تؤمن بأن الاختلاف يصنع التطور، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان قبل الحجر. 

كم من شابٍ يحمل مشروعاً واعداً لكنه ينتظر من يثق به؟ وكم من موظفٍ يملك حلولاً لمشكلاتٍ مزمنة لكنه لا يجد من يستمع إليه؟ وكم من موهبةٍ ذبلت لأنها لم تجد نافذةً تُطل منها على العالم؟ هذه القصص لا تُروى كثيراً، لكنها تتكرر كل يوم، ومع كل قصةٍ مؤجلة يخسر المجتمع جزءاً من مستقبله. 

إن بناء الإنسان ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، ولا عبارةً تُكتب في الخطط الاستراتيجية، بل ممارسة يومية تبدأ من التعليم، وتمتد إلى بيئة العمل، وتترسخ في ثقافةٍ تؤمن بأن العدالة في الفرص هي الطريق الأقصر إلى التنمية.

فحين يشعر الإنسان أن جهده مقدّر، وأن كفاءته هي معيار تقدمه، فإنه يمنح وطنه أفضل ما لديه دون تردد. 

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: كم نملك من الثروات أو المشاريع أو الموارد؟ بل السؤال الأهم هو: كم إنساناً ما زال ينتظر فرصته؟ وكم عقلاً ما زلنا نؤجله... حتى إشعار آخر؟

back to top