بدون مجاملة: ثقافة الحرب... قوة الحاضر والمستقبل
في أوقات النزاعات يمر المجتمع بحالة من التوتر، تستمر الحياة ويمارس الناس أنشطتهم، إلا أن في النفس مشاعر وأفكاراً تختلط، حتى حين لا نسمع صافرات الإنذار، نخشى عودتها، ونسأل الله أن يسلمنا ويحفظ بلادنا ويربط على قلوب قواتنا.
مع ظروف الحرب تستجد مفاهيم وتتشكل أنماط، تؤثر على سلوكيات الناس وتترسب في وجدانهم، وتضع بصمة خاصة جداً في تاريخهم، وعلى إنتاجهم في الفن والأدب. الحرب مرحلة قاسية، وهي فترة انتقالية، في نظرة الشعوب إلى واقعها ومسار مستقبلها.
إن أسوأ ما يحدث اليوم هو التعامل مع الحرب الدائرة باستهتار، بين الترف والإنكار! الحرب تتطلب متابعة للأحداث تترافق مع فهم مسبباتها، واليقين الراسخ بقيم الحق والعدالة، ومقت الظلم والعدوان بمختلف صوره، وترك ازدواجية المعايير واللهث خلف المصالح الخاصة، والجدارة في الطرح والرد العقلاني. الحرب اختبار للشعوب وترابط نسيجها الاجتماعي، وعمق معارفها، وقدرتها على اتخاذ المواقف.
عندما يكون الجيل الناشئ مغيباً في الماديات، لا يعرف شيئاً من المصطلحات، همه كوب قهوة وصورة، وينتهج الشتم والتعميم، فهذه مصيبة لها توابع.
نحن بحاجة إلى تحركات جادة تواكب ما نمر به، فعلى أجهزة الدولة مجتمعة ومؤسساتها دور ضخم في تثقيف الشارع، يلزم أن تكون هناك خطط إخلاء واضحة في المرافق العامة ومقرات العمل، وملاجئ في المناطق السكنية والتجارية. يلزم أن يخاطب الإعلام الرسمي كل الفئات، مستعيناً بالتربويين والاختصاصيين الاجتماعيين والخطباء، وأن يشعر الجميع على اختلاف لغاتهم وظروفهم بالاحتواء، ويُدعى للمساهمة والتعاون، ويتم فتح خطوط للاستفسار، والدعم المعنوي. حياة الرخاء يجب ألا تنسينا مسؤوليتنا في هذه الفترة الحساسة، من الأولى أن تكون دافعا للتماسك، ومواجهة الواقع بإيمان وإحسان وعزيمة.
ثقافة الحرب تنشأ وتُمارس، شئنا أم أبينا، بوعي ولا وعي، لذا فالانتباه إليها مطلب عاجل، والعمل عليها مسألة مصيرية. إن تركيب هذه الثقافة عملية مدروسة، لها جهود وارتباطات وتصنيفات، وتنظيم ومشاركة، ومصداقية وحرص.
ثقافة الحرب جزء من تاريخ البلد، وتوثيق لموقف شعبه وكل من على أرضه، وهي الحالة النفسية والحركة الإنسانية في الحاضر، وهي المستقبل وروايات الإرث، والتطلع لما بعده.
(ربنا لا تَجعَلنا فِتنَةً للقومِ الظالمين*ونَجّنا بِرحمَتِكَ مِن القومِ الكافِرين) سورة يونس 85-86.