نهائي كروي بوجوه استعمارية... إسبانيا والأرجنتين وخديعة التاريخ

نشر في 28-07-2026
آخر تحديث 27-07-2026 | 19:22
 محمد الجارالله

كثيراً ما تتحول الأحداث الرياضية الكبرى إلى لحظات تتجاوز حدود المنافسة، فتوقظ في الذاكرة صفحات من التاريخ، وتستدعي أسئلة تتعلق بالهوية والسياسة والاستعمار، لاسيما حين يكون طرفا المنافسة دولتين ارتبط اسماهما بمحطات مفصلية في تاريخ البشرية. فالمثقف لا ينظر إلى المباريات الكبرى بوصفها مجرد تسعين دقيقة من المتعة، وإنما يقرأ ما وراء الأعلام والأناشيد والرموز، ويحاول فهم المسارات التي صنعت الأمم وأعادت تشكيل الشعوب.

لم تكن صافرة نهاية تلك المباراة التاريخية، التي جمعت بين المنتخبين الإسباني والأرجنتيني، مجرد إعلان لانتهاء مواجهة كروية حبست أنفاس الملايين، بل كانت نافذة أطل منها المتابع الحصيف على ما هو أبعد من حدود المستطيل الأخضر. وبينما انشغلت التحليلات الرياضية بمشاهد الإمتاع وسحر الساحرة المستديرة، تقاطعت في أذهاننا صور الجمهورين والرايتين لتثير أسئلة جغرافية وسياسية عميقة، إذ كيف لمباراة لكرة القدم أن تختزل تاريخاً ممتداً من الهيمنة والإبادة؟ إن المثقف الشغوف بقراءة ما بين سطور التاريخ، والمتسلح برؤية قومية وإسلامية تنحاز للحق والعدل، لم يكن ليمر على ذاك النهائي المشهود مرور الكرام دون أن يستحضر الخيوط الخفية التي تربط بين مدريد وبوينس آيرس.

لماذا تغيب مرارات الاستعمار بين إسبانيا والأرجنتين؟

لقد ظل التناغم الثقافي والاجتماعي بين إسبانيا والأرجنتين محل استغراب الكثيرين، فالعرف التاريخي في أدبيات الاستعمار يقتضي أن تظل العلاقة بين المُحتِل والمُحتَل محكومة بمرارات الدم، كما هو حال الجزائر مع فرنسا أو الهند مع بريطانيا، غير أن الحالة الأرجنتينية شذت عن هذه القاعدة تماماً، فالأرجنتين ليست مجرد مستعمرة سابقة نالت استقلالها، بل هي مشروع استيطاني إحلالي جرى فيه تبديل الشعب صاحب الأرض بشعب آخر أوروبي عبر التطهير والإبادة.

منتخب بلا لاعبين ملونين وسلوك استعلائي في المهجر

كثيراً ما ينقل أبناؤنا من الطلبة الكويتيين الدارسين في الجامعات الأميركية ملاحظة متكررة تتحدث عن انغلاق واستعلاء غريب لدى الطالب الأرجنتيني وشعور بالتمايز العرقي، مقابل ود ورحابة لدى الطالب البرازيلي القريب بطباعه من الروح العربية.

 وهذه الملاحظة ليست انطباعاً فردياً، بل هي نتاج هندسة اجتماعية متوحشة أطلقت جيباً أوروبياً خالصاً في أميركا الجنوبية، بل إن المتابع الرياضي يلمس مظهراً صارخاً لهذا الاستعلاء في العصر الحديث، فمنذ أكثر من عشر سنوات متواصلة تخلو تشكيلة منتخب الأرجنتين تماماً من أي لاعب ملون أو أسمر البشرة، في ظاهرة فريدة تترجم نظرة الأرجنتيني لنفسه كأوروبي أبيض أخذ طريقه إلى القارة اللاتينية.

مشروع «تبييض الأرجنتين» وإبادة أصحاب الأرض

يعود أصل المأساة إلى بدايات الاحتلال الإسباني عام 1516، حيث شُنّت حروب إبادة متوحشة وثقها القس بارتولومي دي لاس كاساس، لتخلو الأرض ويجلب المستعمرون العبيد الأفارقة. وعندما ضعف العرش الإسباني انتفض المستعمرون الإسبان بالأرجنتين بين عامي 1810 و1816 للاستئثار بالحكم والثروات، ثم بدأت أبشع مراحل الهندسة الديموغرافية تحت مسمى «تبييض الأرجنتين»، فقد تم التخلص من المكون الأسود الذي شكل 37% من السكان عند الاستقلال، عبر إقحامه في خطوط النار الأولى وعزله في أحياء نهكتها الأوبئة، حتى انخفضت نسبته إلى أقل من 2% أواخر القرن التاسع عشر، وتزامن ذلك مع حملة عسكرية دموية عرفت بـ«غزو الصحراء» بين عامي 1878 و1885 لاستئصال أهل الأرض الأصليين من قبائل المابوتشي. 

ولم تتوقف الجريمة عند السلاح، بل شُرعت دستورياً في المادة 25 من دستور عام 1853، التي شجعت الهجرة الأوروبية البيضاء، ليتدفق أكثر من ستة ملايين مهاجر أوروبي بين عامي 1880 و1920، ويتغير التركيب السكاني للأرجنتين جذرياً، ولم تكن الأرجنتين استثناءً في هذا النموذج، فالولايات المتحدة أيضاً شهدت استيطاناً أوروبياً واسعاً قام على إقصاء السكان الأصليين وإحلال المستوطنين الأوروبيين مكانهم، وإن اختلفت ظروف التجربتين وتفاصيلهما.

تشابه مذهل بين استيطان الأرجنتين والمشروع الصهيوني

وإذا كانت التجربة الأرجنتينية تقدم نموذجاً صارخاً للاستيطان الإحلالي في أميركا الجنوبية، فإن القارئ المتأمل يلحظ تشابهاً مذهلاً بينها وبين المشروع الصهيوني في فلسطين، فالذريعة التي ادعت خلو أميركا اللاتينية من أصحابها هي ذاتها الكذبة التي روجت لها الحركة الصهيونية تحت شعار «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض». 

كما أن الهندسة الديموغرافية والتطهير العرقي، الذي قاده الأرجنتينيون، يتطابقان مع مجازر النكبة لتفريغ فلسطين واستبدال أهلها، فضلاً عن تقنين العنصرية دستورياً، تماماً كما يكرس الكيان الصهيوني «قانون العودة» و«قانون القومية» لإلغاء الوجود الفلسطيني التاريخي.

الموقف الإسباني الحديث والواجب الأخلاقي للمثقف

إن هذا التاريخ الأسود يفسر السلوكيات العنصرية والنظرة الفوقية، ومع ذلك فإن إنصاف التاريخ يوجب ألا نخلط بين صفحات الأمس ومواقف اليوم، فلا ننسى الموقف المشرف والشجاع لدولة إسبانيا المعاصرة في نصرة الحق العربي، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، والوقوف الصلب ضد حرب الإبادة في قطاع غزة، ورفض التوسع الاستيطاني بالضفة الغربية، وهو موقف يعكس أن الدول تستطيع مراجعة تاريخها والانحياز إلى قيم العدالة.

ختاماً، يبقى واجب المثقف العربي والمسلم ألا ينخدع بالمظاهر البراقة، فالتاريخ لا يموت بالتقادم، وما جرى في الأرجنتين بالأمس شاهد حي على ما يراد لأرضنا في فلسطين اليوم، والحُر العاقل من اتعظ بغيره.

* وزير الصحة الأسبق

back to top