أبناؤنا يعرفون... أكثر مما نعرف عنهم

نشر في 28-07-2026
آخر تحديث 27-07-2026 | 18:10
 د. بلال عقل الصنديد

كثيراً ما نظن أننا نعرف أبناءنا جيداً، وأننا ندرك مواهبهم وحدود قدراتهم، لكن الحياة لا تلبث أن تقدّم لنا مفاجآت وبراهين تؤكد أن الإنسان يظل في طور اكتشاف نفسه والمحيطين به، وأن بعض الخفايا والمواهب تحتاج فقط إلى ما يكفي من وقت لتخرج إلى النور.

كنت أشعر - وأعلم بالمتابعة غير الضاغطة - أن ابنتي ورثت من العائلة موهبة الكتابة، لكنني كنت أرى أيضاً أنها، كما هي حال كثير من الشباب، لم تكن تدرك بعد قيمة هذه الموهبة. كانت تكتب ثم تتردد، وتراجع ما كتبته مراراً، ولا تكاد تقتنع بأن ما تخطّه يستحق أن يقرأه الآخرون، لذلك لم تكن تعرض على أحد نتاج فكرها، وكأنها تخشى الحُكم عليه قبل أن تمنحه فرصة الظهور.

ثم جاءت اللحظة التي طالما انتظرتها، حيث أرسلت لي، على استحياء، رابط مقال نشرته باللغة الإنكليزية في مجلة كلية طب الأسنان التي تدرس فيها، تناولت فيه علاقة «جيل Z» بثقافة «السيلفي»، وكيف أسهم السعي إلى الحصول على «ابتسامة هوليوود»، في زيادة اهتمام كثير من الشباب بصحة الفم والأسنان.

لم تكن المفاجأة في النشر وحده، ولا الإعجاب بالخطوة ذاتها، بل بزاوية المعالجة، إذ استطاعت أن تربط بين ظاهرة اجتماعية رقمية وبين تخصصها العلمي، وأن تقدّم الفكرة بلُغة واضحة وسلسة، قريبة من فهم القارئ العادي، دون أن تبتعد عن المقاربة العلمية. وقد لفتني بالفعل أن موضوعاً مثل صور «السيلفي» لم يعد مجرّد سلوك اجتماعي، بل أصبح مدخلاً للحديث عن الصحة، وتأثير وسائل التواصل بتشكيل سلوك الأفراد وخياراتهم.

****

هذه الواقعة أعادت إلى ذهني حقيقةً كثيراً ما نغفل عنها، وهي أن أبناءنا يعملون بصمت أكثر مما نتخيل، وأننا لا نشهد دائماً لحظة نضجهم الفكري، بل نفاجأ به عندما يقررون هُم أن يخرجوه إلى النور. ولعل السبب أن كثيراً من الآباء والأمّهات يكتفون بما يظهر أمامهم من شخصية أبنائهم، بينما تختبئ مواهب حقيقية خلف التردد، أو الخوف من النقد.

لقد تغيّرت البيئة التي ينمو فيها أبناؤنا، ففي الماضي كانت المواهب تظهر غالباً بتشجيع من الأسرة أو المدرسة، أما اليوم، فقد باتت البيئة الجامعية، والمنصات الثقافية، ووسائل النشر الحديثة، مساحات مفتوحة تمكّن الشباب من اختبار قدراتهم والتعبير عن أفكارهم بعيداً عن الأحكام المسبقة، فيكتشفون أنفسهم قبل أن يحاصرهم الآخرون بتصوراتهم المؤطّرة. ولعل ما يميز هذا الجيل أنه لا ينظر إلى المعرفة بطريقة تقليدية، بل يميل إلى الربط بين العلوم والمعارف والظواهر اليومية.

إن أجمل ما يمكن أن يفعله الأهل هو أن يمنحوا أبناءهم مساحة للتجربة، وأن يدعموا محاولاتهم دون استعجال النتائج أو حصرهم في خانة التوجيهات المعلّبة، فالموهبة لا تنمو تحت ضغط المقارنة، وإنما تزدهر عندما تجد الثقة والتشجيع، وتكتشف متعة الطيران في فضاء الحريّة المنضبطة.

خلاصة الأمر، أن أبناءنا قد يفاجئوننا في اللحظة التي نتوقف فيها عن توقُّع الطريقة التي سيبدعون بها. وما يحتاجونه منّا ليس أن نرسم لهم الطريق، بل أن نوجههم مؤمنين بقدرتهم على اكتشاف أنفسهم، إذ ربما تكون أعظم إنجازاتهم هي تلك التي لم نتوقعها يوماً.

* كاتب ومستشار قانوني

back to top