مشاهدات في عيد الجيش الصيني
بدعوةٍ كريمة زفَّتْها السفارة الصينية، لبيتُ يوم الثلاثاء الماضي رغبة الاستطلاع وحضور احتفالية الذكرى التاسعة والتسعين لتأسيس جيش التحرير الشعبي الصيني. لم تكن المناسبة مجرد محفل بروتوكولي تُستوفى فيه أسباب اللياقة الدبلوماسية، بل كانت تظاهرةً دولية مشهودة، غصَّت بها القاعة بوجوه الفكر والسياسة وممثلي الدول، في مشهد يعكس ثقل «التنين» وحضوره المهيب في الميزان العالمي. وقد استوقفني ذلك الاستعراض المرنيّ الدقيق لأهم المعدات والمنظومات العسكرية المتطورة، الذي جاء بمنزلة برهانٍ صريح على أن التنين الصيني لا يستكين لراحة، ولا يرضى بالجمود، بل يواصل تطوير منظومته وتحديث قدراته بخطى حثيثة ومتقنة. إنها رسالة بصريّة تؤكد بصوتٍ جليّ أن هذا الكيان لم يغب يوماً عن صياغة الأحداث، ولن يكون في هامشها. إن المارد الذي يظنه بعضهم مستكيناً، إنما ينسج من الصبر قوة، ومن التخطيط اقتداراً، ومن الحضور هيبة لا تُخطئها العين.
ومما أضفى على الاحتفالية ألقاً واستثنائية، تلك الكلمة الرائعة التي ألقاها الملحق العسكري الصيني بلغةٍ عربيةٍ فصيحة، آخذة بالألباب، أوجز فيها بعمقٍ ودقة جهود قوات التدخل الصينية التابعة للأمم المتحدة.
لقد كانت كلماته تجسيداً راقياً لوعي الدولة التي تجسر الفجوات الثقافية بلغة الشعوب، وتؤكد في الوقت ذاته التزامها الأخلاقي والدولي بمساندة السلام وصون الاستقرار العالمي. إن القوة العسكرية حين تقترن بالحكمة السياسية والدبلوماسية، تُشكل ملامح هذا المارد الصيني الحديث، فهو لم يكن غائباً عن خريطة التأثير يوماً، وهو اليوم أحضرُ ما يكون. ولا جرم أن قوى عالمية بهذا الحجم التاريخي والبشري والاقتصادي لا يمكن، بل لا ينبغي لها، أن تكون مهمّشة أو أن تُدار الدوائرُ بمعزلٍ عنها.
إن الشرق يعيد رسم ملامح التوازن الدولي، وما هذا العيد إلا تذكيرٌ لكل ذي بصيرة بأن القوة الحقيقية هي تلك التي تحمي المكتسبات، وأن التنين الصيني القادم من عمق التاريخ يبني اليوم أركان حضور عسكري وفكري لا يمكن لتوازنات العصر أن تتجاهله أو تكسر شوكته.