الفرح في إطار... والعرس أيضاً! *

نشر في 27-07-2026
آخر تحديث 26-07-2026 | 18:39
 خولة مطر

بدا حديثه بالتثاؤب، وقال وكأنه يعتذر: «سهرنا طويلاً في خطوبة صديقي»، ثم أكمل «كانت مفاجأة».. ضجّ الجميع «أوه ما أجمل الرومانسية في زمن الحروب»، بل ربّما «ما أجمل الرومانسية» فقط، بعد أن أصبحت العلاقات تُدار بالذكاء الاصطناعي!

لم تكتمل فرحتنا بهذا الإنجاز الحدث في وقت يكثر اللون الأحمر القاني بنشرات الأخبار، وتتناثر البقع والأشلاء بين لحظة وأخرى في أيامنا. أكمل بالقول إنه صحيح فاجأها بأن ركع على ركبتيه، ورفعنا نحن أصدقاءه لافتة كبيرة كُتب عليها «هل تتزوجيني»؟ طبعا باللغة الإنكليزية، وكأن مفردات الرومانسية نُهبت هي الأخرى من اللغة العربية، كما سُرقت الآثار وقبلها الأرض والسكن. 

أكمل بحماس ثم خفّ صوته بعد أن وافقت وألبسها الخاتم الألماس، ورحل على الـ «جت سكي»، وعادت هي إلى صديقاتها على ذاك المركب الصغير يرقصن على وقع موسيقى صاخبة فَرِحاتٍ بالحدث «السربرايز».

انتهت الخِطبة واللحظة الحميمية، لتتحول إلى صورة في إطار.. عندما سأل «ليش ما كمّلوا الاحتفال؟» قال: «كل الخِطبات وحالات الزواج أصبحت الآن هكذا مجرّد لقطة توضع على وسائل التواصل بالصوت والصورة، ثم تعود الحياة إلى ما كانت عليه، كلٌّ في زاويته أو بقعته أو حتى حتى فقاعته».

انتهت اللقطة، وبقي هو المهتم بالموسيقى التراثية، الى جانب قائمة طويلة من الاهتمامات الأخرى، كما حال كثيرين من جيلها الذين لا يزالون يسبحون بصعوبة في عقدهم الثاني أو الثالث، مهموم بكيف تحوّلت لحظات الحب الحقيقية، وتدارك وكأنه يحدّث نفسه «لم يعد هناك حب الآن كما كان في أيامكم»، متوجهاً بنظره تجاه تلك المجموعة من النساء في عقدهن السادس، وكأنه يقول: لقد شاخ الحب والعشق، أو هو هرِمَ كما هرمتُنّ. 

شيء ما تغيّر مع الوقت لا نحسّه، إلّا أنه يتسلل سريعاً إلى عقولنا، كما كل الأفكار الأخرى التي تُصنع في الغرف المعتمة وتوزّع عبر كل هذه المساحة المفتوحة من المنصات تحت مسميات أنها تقدّم الخبر أو الحدث أو ربما المستجدات في التكنولوجيا أو المواعدة، أو أو... حتى وقت مع صديق عندما رحل الأصدقاء سريعاً أو بقي منهم من بَعُد رغم قربه وقرابته!

جيل بأكمله كبُر على كلمات الحب المعتّق في الأوراق التي تُدسّ في الكراريس أو روايات إحسان عبدالقدوس ويوسف السباعي وأشعار نزار، فيما آخرون تعلّقوا بأمل دنقل وصلاح جاهين و...و... وما قبلهم وبعدهم، حسب الأعمار ورقّة الروح.

يبقى الحب عند ذاك الجيل هو الكنز الذي يحمله بداخله لا يتخلى عن الصور والذكريات والشوارع التي عرفت أقدامهم عندما يسيرون خلف بعضهم خوفاً من الأعين المتربصة... أو والأيدي تسرق اللمسة في عتمة السينما وأفلام الأبيض والأسود التي أزهرت ورداً ملوناً أكثر من تلك التي تلتها بألوانها وتقنياتها الباهرة. 

حتى بعد مرّ السنين، يبقى الجار ينظر إلى جارته والحبيب المراهق لحبيبته التي غزت التجاعيد وجهها وبقيت عيناه تلمعان كلما التقيا مصادفة أو حتى بمواعيد مسروقة من زحمة المسافات البعيدة التي فصلت بين مرحلتين عمريتين، وكأنهما زمنان متباعدان. كان الحب بالنسبة لهم وحتى الآن ليس لقطة، بل بذرة تزهر في القلب والوجدان، فلم يكن الحب صورة في إطار.

* يُنشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية.

back to top