هل الطبيب الذي يرى مرضى أكثر هو الطبيب الأفضل؟
يتكرر هذا السؤال كثيراً بين المراجعين، بل وحتى بين الأطباء أنفسهم: هل الطبيب الذي تمتلئ عيادته بالمراجعين ويجري عشرات العمليات أسبوعياً هو الأفضل؟ أم أن الطبيب الذي يستقبل عدداً أقل من المرضى ويخصص وقتاً أطول لكل مراجع هو الخيار الأمثل؟
الإجابة ليست بهذه البساطة
فالعدد وحده لا يقيس جودة الطبيب، كما أن هدوء العيادة لا يعني بالضرورة تميزاً أكبر. الطب مهنة لا تُقاس بالأرقام فقط، وإنما بالنتائج، وجودة القرار الطبي، وأثره على حياة المريض.
الطبيب الذي تراجع لديه أعداد كبيرة من المرضى غالباً ما يكون قد بنى هذه الثقة عبر سنوات من الخبرة، والسمعة الطيبة، ونجاح الحالات التي عالجها. ومع مرور الوقت، فإن كثرة الحالات تمنحه فرصة لرؤية أمراض متنوعة، بعضها نادر أو معقد، مما يزيد من خبرته السريرية وقدرته على التشخيص المبكر واتخاذ القرار الصحيح. والأمر ذاته ينطبق على الجراحة، فالجراح الذي يجري عمليات كثيرة يطور مهاراته التقنية باستمرار، ويصبح أكثر قدرة على التعامل مع الحالات الصعبة والمضاعفات غير المتوقعة.
لهذه الصورة وجه آخر
فعندما يتحول ضغط العمل إلى سباق مع الوقت، قد يصبح المريض مجرد رقم في قائمة الانتظار، وقد لا يحصل على الوقت الكافي لشرح شكواه، أو فهم خيارات العلاج، أو الإجابة عن تساؤلاته، وهنا تبدأ جودة الرعاية بالتراجع مهما بلغت خبرة الطبيب، لأن الطب ليس تشخيصاً وعلاجاً فقط، بل هو أيضاً تواصل وثقة وطمأنينة.
في المقابل، قد يمنح الطبيب الذي يرى عدداً أقل من المرضى كل مراجع وقتاً أطول، فيستمع بتأن، ويفحص بدقة، ويشرح التفاصيل، ويتابع الحالة بصورة أقرب، وهذه ميزة مهمة خاصة في الأمراض المزمنة أو الحالات التي تزور العيادة لأول مرة وتحتاج إلى نقاش طويل واتخاذ قرار مشترك مع المريض.
إلا أن قلة المرضى ليست دليلاً على التميز بحد ذاتها، فقد تكون بسبب حداثة الخبرة، أو ضعف الإقبال، أو طبيعة التخصص، فكل تخصص له طبيعته، فعلى سبيل المثال عندما تزور طبيب العائلة بالمستوصف يختلف اختلافاً تاماً عن زيارة المريض لمركز الكويت لمكافحة السرطان (KCCC) للمرة الأولى، ولك أن تتخيل الاختلاف بين المكانين، لذلك فإن الحكم على الطبيب بعدد مراجعيه فقط قد يكون مضللاً.
والواقع أن أفضل الأطباء هم من يحققون التوازن بين الأمرين، يمتلكون خبرة تراكمية كبيرة، ويواكبون أحدث الأدلة العلمية، ويستثمرون وقت المريض بكفاءة، فلا يطيلون دون فائدة، ولا يستعجلون على حساب جودة الرعاية.
أما المريض فمن حقه أن يتساءل: هل استمع الطبيب إلى شكواي؟ هل فحصني جيداً؟ هل شرح لي التشخيص وخيارات العلاج؟ هل خرجت وأنا أفهم حالتي وخطتي العلاجية؟ هذه الأسئلة أهم بكثير من سؤال: كم مريضاً رأى الطبيب اليوم؟
وفي النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة وواضحة: الخبرة تصنعها كثرة الحالات، لكن التميز يصنعه حسن استثمار تلك الخبرة في خدمة كل مريض على حدة.
فالطبيب المتميز ليس من تمتلئ عيادته بالمراجعين، ولا من يخلو جدول مواعيده، بل من يجمع بين العلم، والخبرة، والإنسانية، ليغادر مريضه وهو أكثر فهماً واطمئناناً، وأقرب إلى الشفاء.
* رئيس كلية الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة، معهد الكويت للتخصصات الطبية، وزارة الصحة.
قسم الأبحاث، معهد دسمان للسكري، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.