في المرمى: كرة القدم المنتصر الأكبر

نشر في 26-07-2026
آخر تحديث 25-07-2026 | 18:36
 عبدالكريم الشمالي

انتهت بطولة كأس العالم، وتوجت إسبانيا بلقبها العالمي الثاني مع جيل شاب جديد، بينما خسرت الأرجنتين بقيادة أسطورتها ليونيل ميسي فرصة الاحتفاظ باللقب، وإضافة النجمة الرابعة إلى قميصها، وستحفظ كتب التاريخ هذه الحقيقة، وستتذكر الأجيال من رفع الكأس في تلك الليلة.

لكن كثيرين يظنون أن القصة تنتهي عندما يرفع قائد المنتخب الفائز الكأس الذهبية، وفي الحقيقة، هي تبدأ من هناك، فالمنتصر الأكبر في كأس العالم ليس منتخباً بعينه، بل كرة القدم نفسها، فالمونديال لا يمنحنا بطلاً فقط، بل يمنحنا حكايات تبقى في الذاكرة أطول من النتيجة النهائية، يمنحنا شعوباً عاشت الحلم بكل تفاصيله، وجماهير قطعت آلاف الكيلومترات خلف أعلامها، ولاعبين مغمورين استيقظوا ذات صباح ليجدوا العالم كله يتحدث عنهم.

في هذه النسخة، لم تكن المتعة حكراً على المنتخبات الكبرى، رأينا فرقاً دخلت البطولة بحثاً عن الاحترام، فخرجت وقد فرضت نفسها على الجميع، وأخرى جاءت محاطة بالنجوم والتوقعات، لكنها اكتشفت أن التاريخ لا يعترف بالأسماء وحدها، بل بما تقدمه داخل المستطيل الأخضر، كما تعرفنا على وجوه جديدة ستقود مستقبل اللعبة، وأدركنا مرة أخرى أن كأس العالم لا يكتفي بتتويج الأبطال، بل يصنعهم أيضاً، ففي كل أربع سنوات يولد نجم جديد، ويكتب لاعب شاب اسمه في ذاكرة الجماهير، بينما يسلم نجم مخضرم الراية إلى الجيل التالي في مشهد يختصر استمرارية كرة القدم أكثر من استمرارية أي لاعب، أما الجماهير، فكانت البطولة الأخرى التي لا تمنح ميداليات، فالمدرجات تحولت إلى لوحة بألوان العالم، وهتافات تجاوزت اختلاف اللغات والثقافات، لتؤكد أن كرة القدم ما زالت اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع دون مترجم.

وربما كانت أجمل رسائل هذا المونديال أن المستحيل يبقى مجرد رأي، فالمفاجآت حضرت، والأحلام الصغيرة كبرت، والمنتخبات التي لم تكن ضمن حسابات الخبراء أجبرت الجميع على إعادة كتابة توقعاتهم، وكأن البطولة أرادت أن تذكرنا بأن جمال كرة القدم لا يكمن في أنها عادلة دائماً، بل في أنها تمنح الجميع فرصة الحلم.

ومع إسدال الستار، سيحتفظ التاريخ باسم البطل، لكن الجماهير ستتذكر أيضاً دمعة لاعب، وتصفيق منافس، واحتفال طفل أو بكاءه في المدرجات، ونجماً وُلد أمام أعين العالم، تلك هي الانتصارات التي لا تُقاس بالميداليات، ولا تُكتب في جداول الإحصاءات، لهذا، مهما اختلفت الأعلام التي احتفلت بالكأس، يبقى المنتصر الأكبر هو كرة القدم تلك اللعبة التي نجحت مرة أخرى في جمع العالم حول حلم واحد، وأثبتت أن أجمل ما في كأس العالم ليس من يفوز بها، بل ما تتركه في قلوب من شاهدوها.

بنلتي

ربما هذا هو الدرس الذي نحتاجه محلياً، فقبل أن نختلف على بطل الدوري أو حكم المباراة، علينا أن نتذكر أن انتصار كرة القدم نفسها هو البداية الحقيقية، فعندما تكسب اللعبة، يكسب الجميع، وعندها فقط يصبح للكؤوس والانتصارات معنى.

back to top