شوشرة: الكماشة وصديقها

نشر في 24-07-2026
آخر تحديث 23-07-2026 | 19:55
 د. مبارك عبدالهادي

مع ارتفاع درجات الحرارة الشديدة والبحث عن أي وسيلة للاستظلال لتدير عجلة دوران التيار الهوائي لتنعكس أجواؤه الباردة لتطفئ الجمرات التي تشتعل نيرانها في بعض الأجساد التي تفتقد أبسط سبل الحياة نظراً للظروف الصعبة التي يواجهونها، تتطلب منا النعم التي نعيشها ونحن نمارس حياتنا اليومية تحت أحدث أجهزة التكييف، التفكير جدياً في أولئك الذين يفتقدون لأي وسيلة تبرد عليهم الأجواء الساخنة، وتدعونا إلى التفكير في مدى صعوبة الأيام التي يواجهونها، خصوصاً أن بينهم أطفالاً أبرياء لا ذنب لهم إلا أنهم وجدوا أنفسهم وسط شواطئ الحياة التي أمواجها العاتية تلطم بهم تلك الصخور القاسية، فما أن تشاهد عبر القنوات المختلفة مَن يعانون شدة الحرارة حتى تلتفت أنظارنا إلى تساقط قطرات العرق التي تغطي وجوههم البائسة والحزينة يتخللها ابتسامة تداعب محياهم الذي لا يجد أمامه سوى نافذة تطلعهم على أمل قد يتجدد معه مستقبل باهر يمحو الأيام الصعبة وقسوتها، إلا أنهم سرعان ما يغلقون الشبابيك حتى لا يذهبوا بتفكيرهم إلى أحلام أكبر كجهاز تكييف أو سرير ولحاف وملابس جديدة وطعام لم يتعرض لضربات مرتدة من بعض الحشرات الطائرة وغيرها من الأمور التي ما أن يشعروا أو يفكروا فيها حتى يكونوا أمام حاجز فاصل وسد منيع فيسارعون إلى إغلاق تلك النافذة لتغلق معها تلك الأحلام.

 والسؤال هنا هل أبسط الأمور أصبحت اليوم حلماً بينما هي بيد الآخرين كوسيلة لا يستفاد منها بسبب وفرتها فوق الحاجة؟ وهل هناك مَن لديه الاستعداد لخوض هذه التجارب القاسية لعلها تعيده إلى نفسه ويرتب معها أوراقه المتطايرة هنا وهناك؟ وهل ستصحو القلوب النائمة من قسوتها الدائمة وتصبح أكثر عطفاً وإنسانية؟  إن طرح مثل هذه الأسئلة على أنفسنا ليس أمراً مستحيلاً وليس صعباً ما دام الضمير لا يزال حياً للشعور بألم الآخرين ومعاناتهم، ولعلها انطلاقة وطفرة للأفضل.يستوقفني دائماً ذلك الشعور وأنا أنظر إلى عامل نظافة يطوف الشوارع بمكنسته التي يحمل معها معاناة سنوات من الصداقة الدائمة، لأن كلاً منهما لا يستطيع أن يفارق الآخر حتى لا يخسر عمله، وبالتالي سيحرم من راتب الأحلام الذي هو في عين البعض مجرد رقم لا يساوي شيئاً رغم أنه كبير عند هذا العامل، لأنه يحقق لديه المعادلات الصعبة، ويساهم في بناء مستقبل لأبناء ينتظرون التحويلات بفارغ الصبر لاستكمال مسيرة حياتهم التي تمر كل يوم بين أسنان الكماشة التي تلتقط قاذورات الآخرين وتنظف أماكنهم البائسة، فلو قدّم كل منا له التحية بابتسامة تساعده في القفز على ظروفه القاهرة وقنينة مياه تطفئ ذلك الظمأ وتخفف من «اللاهوب» فماذا سيكون شعور هذا العامل الذي سيعتبرها بمثابة أكبر رسالة تقدير له على جهوده المتواصلة في تنظيف مخلفات اصحابها؟ 

فمثل هذه الأمور البسيطة جداً تصنع السعادة للآخرين وهم يشعرون أن هناك مَن يتابعهم ويراقبهم من بعيد ويشعر بهم ويساندهم ويدعمهم، فهذا العامل لم يسند ظهره إلى غيره بقدر كماشته التي أصبحت خير سند له في قسوة الأيام، وأن صداقتها تفوق الكثير من الذين يمرون علينا في الحياة ويدّعون أنهم من الأوفياء، فكم منا يملك مثل هذه الكماشة التي تسنده في الظروف الصعبة رغم أنها جماد؟

 آخر السطر: 

الأحداث والقصص مستمرة ومتجددة ولكن هل تعلمنا أم ما زلنا ندور في أحداث من التبريرات غير المنتهية؟

back to top