وجهة نظر: مشهدان أحلاهما مُرّ
كلّ مَن يوجّه أنظاره اليوم نحو الأسواق المالية الأميركية ينظر إليها بشيء من الترقُّب والقلق، فالجميع تقريبًا يتّفق على أن أسعار الشركات، وتحديداً شركات التكنولوجيا، تتداول عند مستويات تفوق متوسطاتها التاريخية بمراحل.
وهنا أنتقي مصطلحاتي بعناية، وأتجنّب القول إن السوق «مُبالغ في تقييمه» أو إنه يعيش «فقاعة».
ذلك لأن ارتفاع تقييم الشركات لا يعني بالضرورة أننا أمام فقاعة، وإن كنا أمام فقاعة، فإنّه لا يخبرنا أين نقف في أي مرحلة منها. فقد تكون في بدايتها، وقد تكون في منتصفها، وقد تستمر لسنوات قبل أن تنفجر، وقد لا تكون فقاعة أصلًا، بل بداية لتغيّر جذري لم تستوعبه النماذج القديمة بعد.
نحن اليوم أمام معسكرين؛ الأول هو معسكر المستثمر القيمي، الذي ينظر إلى الأسعار الحالية، ولا يستطيع تركيب ما يحدث أو استيعابه، لأنّ هناك حلقات مفقودة بين الأرباح التي تحققها الشركات اليوم والقيم التي يمنحها لها السوق.
أما الثاني فهو معسكر مستثمر «النمو»، الذي لا يبني قراراته على ما تحققه الشركات اليوم، بل على ما يُتوقّع أن تحققه في المستقبل.
وعلى الرغم من الخلاف الكبير بين المعسكرين، فإنهما يتفقان على أصل واحد، وهو أن قيمة أي شركة اليوم ليست إلّا انعكاساً للأرباح والتدفقات النقدية التي يُتوقع أن تحققها في المستقبل.
وهنا تأتي المعضلة... إذا سلّمنا برأي المعسكر الأول، وأن التقييمات الحالية مرتفعة، وأن معظم الوعود المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وعود واهية أو سابقة لأوانها، فنحن أمام فقاعة من تلك الفقاعات التي لا يقتصر أثرها على أسعار الأسهم، بل يمتد بصورة متسلسلة إلى مختلف قطاعات الاقتصاد، فليس من الواضح حتى الآن حجم التمويلات والديون والقطاعات المرتبطة بهذا السباق.
ما نعرفه أن الشركات التريليونية العملاقة رفعت إنفاقها الرأسمالي بصورة غير مسبوقة، وأصدرت الديون، وأعادت توجيه تدفقاتها النقدية، وبعضها لجأ إلى هياكل تمويلية خارج الميزانية، كل ذلك لتلبية الطلب «المتوقع» أو «المزعوم»، بحسب المعسكر الذي تنتمي إليه، على بناء مراكز الحوسبة والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ولا يتوقف الأمر عند شركات التكنولوجيا نفسها، بل يمتد إلى الشركات التي تصمم الرقائق، وتبني المراكز، وتنتج الكهرباء، وتوفر أنظمة التبريد والشبكات والمعدات ومساحات الأراضي الممتدة.
وتشير التقديرات إلى أن الإنفاق على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والمعدات والشبكات وصل إلى نحو 1.4% من الناتج المحلي الأميركي في الربع الأول من العام الحالي. كما تتوقع تقديرات أخرى أن تنفق شركات التكنولوجيا الكبرى نحو 5.3 تريليونات دولار بين عامَي 2025 و2030 على هذا السباق.
هذه ليست أرقاماً هامشية، إنها رهانات بتريليونات الدولارات على طلب لم يتحقق معظمه بعد، وعلى عوائد لا تزال غير واضحة، وعلى نماذج اقتصادية لم يثبت حتى الآن مَن سيدفع تكلفتها النهائية.
فإذا لم يأتِ الطلب بالحجم والسرعة المتوقعَين، فلن تنحصر المشكلة في انخفاض أسهم شركات الذكاء الاصطناعي. وسنجد أمامنا مراكز بيانات بطاقة فائضة، وديوناً بُنيت على تدفقات لم تتحقق، وشركات مورّدة توسعت لتلبية طلب مؤقت، واستثمارات في الكهرباء والطاقة والعقار لن تحقق العائد المتوقع منها.
أما المعسكر الثاني، الذي يبني توقعاته على النمو وعلى الجرأة في استشراف المستقبل، فيرى شيئاً مختلفاً تماماً. يرى أن هذه التكنولوجيا ستغيّر الاقتصاد كما نعرفه، وأن ما يحدث ليس فقاعة، بل سباق نحو القمة. سباق قد يحظى فيه الفائز الأول، أو مجموعة صغيرة من الفائزين، بزعامة مطلقة على التكنولوجيا والاقتصاد والمعلومة والإنتاج.
أتدري، عزيزي القارئ، ما معنى ذلك؟
معناه أننا مقبلون على عالم جديد يُعاد فيه تعريف الاقتصاد والعمل والوظائف والإنتاجية والقيمة نفسها. ومعناه أيضاً أن المرحلة الانتقالية إلى ذلك العالم، بحُلوها ومرّها، ستمرّ بمخاض عنيف. ستختفي وظائف، وتتغير أخرى، وتنتقل الثروة والنفوذ من قطاعات ودول ومؤسسات إلى قطاعات ودول ومؤسسات أخرى. وقد تصبح المعرفة والقدرة على الحوسبة أهم من المصانع والموارد التقليدية التي قامت عليها اقتصادات كاملة.
ولا أدري أي مصلحة سيقدمها زعماء تلك الشركات المالكة لهذه التكنولوجيا التحولية عندما تتعارض المصالح. هل سيقدمون مصالحهم الشخصية، أم مصالح مساهميهم، أم عائلاتهم، أم دولهم، أم معتقداتهم؟ ولا أدري في أي مرتبة سنأتي أنا وأنت ضمن هذه المصالح.
لذلك، حتى السيناريو المتفائل يحمل في داخله من المرارة الشيء الكثير، ففي تنبؤ المعسكرين سنتجرع المُرّ لا محالة، وإن اختلفت درجاته. إما أن تكون فقاعة ضخمة، دفعت العالم إلى ضخ تريليونات الدولارات في وعود لم تتحقق، وإما أن تتحقق تلك الوعود فعلًا، ويتغير العالم والاقتصاد والوظائف بوتيرة قد لا يستطيع معظم الناس استيعابها أو اللحاق بها.
وهنا يأتي السؤال الأهم: ماذا نفعل نحن كمستثمرين؟
الحل ليس في الانحياز الكامل إلى أحد المعسكرين، ولا في الوقوف خارج السوق انتظارًا ليوم تتضح فيه الصورة بالكامل، لأن ذلك اليوم قد لا يأتي. لا بُد من الترقّب الحذر والاستماع إلى كلا الطرفين بعقلية متفتحة، وعدم الانحياز، كما هي حال أي مستثمر حريص.
فالعبرة ليست بمَن يتحدث بثقة أكبر، ولا بمَن يملك القصة الأكثر إثارة، بل بمن يملك الحجة المبنية على معطيات مقبولة. ولا بُد من التحوط في كل خطوة، وبناء القرارات على التفكير النسبي واحتمالية الحدوث لا التفكير المطلق، أبيض وأسود، وترك المساحة للرمادي من الأمور الى حين تنقشع الضبابة.
كما يجب أن نتذكر أن رؤساء شركات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا منحازون بطبيعة الحال إلى المعسكر الثاني، فهم بحاجة إلى تبرير هذا الإنفاق الهائل، وإلى إقناع المستثمرين والحكومات والصناديق السيادية بضخ المزيد من رؤوس الأموال من الشرق والغرب. وهذا لا يعني بالضرورة أنهم مخطئون أو مضللون، ولكنه يعني أن نستمع إليهم ونحن نعرف موقعهم من المعادلة ومصلحتهم فيها.
والخلاصة، لنا في فقاعة الإنترنت عِبرَة.
كانت توقعات معسكر النمو ذلك الوقت صحيحة إلى حد بعيد. الإنترنت غيّر العالم فعلًا؛ غيّر التجارة والإعلام والاتصالات والعمل والتعليم، وظهرت شركات تجاوزت في تأثيرها وقيمتها كل ما كان يتخيله أكثر المتفائلين. لكن تلك التوقعات، وإن كانت صحيحة في اتجاهها، جاءت متأخرة بنحو عقد من الزمن.
وكان هذا الفارق كافياً لإفلاس شركات، وتبخُّر ثروات، وخسارة مستثمرين كانوا على حق في فهم التكنولوجيا، ولكنهم أخطأوا في تقدير السعر والتوقيت والشركة التي ستنجو.
خذ شركة أمازون مثالاً (وليست توصية استثمارية)، تبلغ القيمة السوقية للشركة اليوم نحو 2.7 تريليون دولار. لكنها خسرت نحو 95 بالمئة من قيمتها بين ديسمبر 1999 وأكتوبر 2001 أثناء انفجار فقاعة الإنترنت.
نجت الشركة بعد ذلك، ونمت، وتحولت من متجر لبيع الكتب إلى واحدة من أهم شركات التجارة الإلكترونية والحوسبة السحابية في العالم.
العبرة أننا نعرف اليوم، بكل وضوح، أن شركة أمازون كانت هي الفائزة إن صح التعبير. أما في ذلك الوقت، فلم يكن أحد يستطيع أن يعرف بيقين أي الشركات ستنجو، وأيها ستفلس، وأيها ستتحول إلى عملاق، وأيها ستبقى مجرد اسم منسيّ ضمن آلاف الشركات التي اختفت.
النظر إلى الوراء دائماً أسهل من النظر إلى الأمام؛ وهذا هو الدرس الأهم.
هناك فارق بين أن تكون محقاً بشأن التكنولوجيا، وأن تكون محقاً بشأن الشركة وقيمتها السوقية. علينا أن نفصل بين الاختراع والشركة، وبين الشركة وسعرها، وبين الوعد والعائد، وبين المستقبل الذي سيأتي حتماً والتوقيت الذي لا يستطيع أحد التنبؤ به.
فالمشهدان أحلاهما مُرّ.