تصدُّع التحالف المقدس كيف تعيد البراغماتية الأميركية صياغة التوازنات في الشرق الأوسط؟

نشر في 21-07-2026
آخر تحديث 20-07-2026 | 18:15
 محمد الجارالله

يمر التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة وإسرائيل بمنعطف بنيوي غير مسبوق، يتجاوز حدود الخلاف التكتيكي المعتاد ليصل إلى مرحلة التصدع العلني في أسس الشراكة الاستراتيجية الأزلية. هذا التحول بات مادة سجال سياسي وإعلامي وليس حبيس الغرف المغلقة، وهو الآن يعيد تشكيل وعي الناخب الأميركي والنخبة الحاكمة على حد سواء.

عاصفة «روغان»... الرجل الثاني في أميركا يتحدث علناً

شكلت المقابلة التي أجراها نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، في بودكاست «جو روغان» -المنصة الأكثر متابعة عالمياً بأكثر من 20 مليون مشترك - لحظة فارقة في تاريخ الخطاب السياسي الأميركي تجاه تل أبيب. فانس، الذي يمثل الجناح البراغماتي الصاعد، لم يكتفِ بانتقاد السياسات الإسرائيلية وإنما ذهب إلى اتهام جهات إسرائيلية بإنفاق مئات الملايين من الدولارات لشن حملات تشويه وتخريب ممنهجة ضده وضد مساعيه الدبلوماسية لصياغة اتفاق مع طهران لإنهاء الحروب المفتوحة، معتبراً أن هناك من يسعى لتمرير «الحرب من أجل الحرب».

وجّه فانس صفعة علنية غير مسبوقة للمروجين لتلك الحملات قائلاً بوضوح: «ردي على من يهاجمونني ويتلقون أموالاً من جهات إسرائيلية هو: اذهبوا إلى الجحيم، أنا هنا لتمثيل الشعب الأميركي وشعاري هو أميركا أولاً». هذا الخطاب يعكس تذمرا وضيق ذرع حقيقيا لدى تيار واسع في واشنطن من محاولات تل أبيب فرض أجندتها الحربية والدينية التوسعية على حساب المصالح الأميركية العليا، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل فجّر فانس قنبلة أخرى بإقراره بوجود علاقات وثيقة للراحل جيفري إبستين مع دوائر استخباراتية إسرائيلية (الموساد) رفيعة المستوى.

صراع الورثة... معركة العقيدة الخارجية بين فانس وروبيو

يتزامن هذا الصدام مع سباق ترشّح محتدم لخلافة دونالد ترامب داخل المعسكر الجمهوري، وهو السباق الذي يتبلور في المنافسة بين قطبين يمثلان رؤيتين متناقضتين تماماً للسياسة الخارجية:

تيار «أميركا أولاً» (يمثله جي دي فانس): الذي يرى أن عهد التدخلات العسكرية اللانهائية قد ولى، وأن إسرائيل يجب أن تُعامل كـ «حليف عادي»، مثل إنكلترا وألمانيا، يخضع لميزان الربح والخسارة، وليس كـ «بقرة مقدسة» تستنزف دافع الضرائب الأميركي.

التيار التقليدي المحافظ (يمثله ماركو روبيو): الذي يتمسك بالعقيدة القديمة القائمة على الدعم المطلق وغير المشروط لتل أبيب، مدفوعاً بضغوط كتل التمويل التقليدية (مثل إيباك).

هذا الانقسام يعززه إدراك متنامٍ داخل الحزب الجمهوري بأن قواعد اللعبة الانتخابية قد تغيرت، وهو ما عبّر عنه ترامب نفسه بوضوح، عندما أشار إلى تحوّل المزاج العام قائلاً ما معناه: «لقد نشأت في عالم سياسي تدور رحاه حول دعم إسرائيل، حيث كان الثناء عليها سبيلاً للارتقاء السياسي، أما اليوم فقد انقلبت الآية، وبات من يريد الصعود في السلّم السياسي يتجنب الدعم الأعمى لها».

تثبت الوقائع أن ترامب التزم الصمت فترة من الزمن عقب تصريحات نائبه النارية لـ «يقيس ردود الأفعال» الشعبية والحزبية بدقة. وبمجرد أن أظهرت المؤشرات صعود أسهم فانس، أبدى ترامب إعجابه الصريح بحديث نائبه وشجاعته البراغماتية، مما أعطى الضوء الأخضر لهذا التحول العقائدي داخل حزب ماجا.

تنامي القاعدة الشعبية المناهضة للدعم اللامتناهي

لقد تخطى هذا التحول النخب الحاكمة والمؤثرة، وأصبح يستند إلى قاعدة شعبية أميركية آخذة في الاتساع برفضها تمويل الحروب الخارجية، وتكشف استطلاعات الرأي تراجعاً تاريخياً في تأييد استمرار إرسال حزم المساعدات العسكرية دون قيود، حيث تجاوز الرافضون نسبة الـ 55 بالمئة، جلهم من الشباب قادة المستقبل الذين لا يرون في تل أبيب شريكاً أخلاقياً أو استراتيجياً.

وقد تُرجم هذا الحراك الشعبي أخيراً داخل قاعة «الكونغرس» في تصويت تاريخي، حيث صوّت أكثر من مئة نائب ديموقراطي - بمن فيهم نانسي بيلوسي الداعمة لإسرائيل - إلى جانب النائب الجمهوري توماس ماسي (من جناح ماجا) لمصلحة مشروع قانون لتقليص أو وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل. ورغم عدم تمرير القرار بالكامل، فإن عقلاء تل أبيب يدركون أن هذا «التآكل التراكمي» يمثل خطراً وجودياً على المدى البعيد، حيث لم يعد الدعم الأميركي شيكا على بياض مضموناً.

توسع التهديدات الإسرائيلية... من إيران إلى الإقليم

تأتي هذه التصدعات الداخلية بأميركا في وقت تشهد السياسة الإسرائيلية حالة من المغامرة العسكرية غير المحسوبة، فبعد استهداف إيران توسعت الخطابات التهديدية الصادرة عن حكومة نتنياهو لتطال قوى إقليمية وازنة مثل تركيا، وباكستان، ومصر، في استعراض قوة يبدو منفصلاً عن الواقع.

هذا التلويح بتوسيع جغرافية الصراع يضع واشنطن أمام معضلة حقيقية، إذ تجد نفسها منساقة وراء حليف إقليمي يتصرف بتهور، ويهدد بإشعال حرب إقليمية شاملة تتعارض كلياً مع الاستراتيجية الأميركية الرامية إلى التهدئة، وخفض الالتزامات العسكرية في الشرق الأوسط للتفرغ لملفات دولية أكثر حيوية مثل الصين، وما أدراك ما الصين!

الاستقطاب الداخلي... هل يُعاد تزوير الديموقراطية الأميركية؟

وفي خضم هذا الارتباك الخارجي، يبرز تساؤل محلي حرج: هل يعقل أن يتم تزوير الديموقراطية الأميركية العريقة؟ نعم، فالواقع الانتخابي الراهن يوضح أن الديموقراطيين لا يحتاجون لأكثر من خمسة مقاعد فقط لتحقيق الأغلبية، وفي المقابل، بدأت نبرة التشكيك في نزاهة الانتخابات تصدر من الإدارة الأميركية مقدماً.

تتجلى أزمة هذا الاستقطاب في إصرار الجمهوريين على تعديل شرط الانتخاب للفرد بأن يكون لديه جواز سفر، وللعلم فإنه يوجد أكثر من 40% من الأميركيين لا يحملون جواز سفر، جلهم ينتمون للطبقات البسيطة والمهمشة التي يعتمد عليها الديموقراطيون تقليدياً كخزان انتخابي. هذا التنافس المحموم يعكس كيف باتت أدوات البنية الديموقراطية الداخلية تُطوع وتُستغل لخدمة الصراعات الحزبية العميقة.

الانعكاسات الإيجابية على الخليج والقضية الفلسطينية

رغم هذا الصخب الداخلي في واشنطن، فإن هذا التحول البراغماتي يحمل ارتدادات إيجابية بالغة الأهمية على الصعيدين الخليجي والفلسطيني:

- بالنسبة لدول الخليج: يسهم تراجع نفوذ اللوبي الصهيوني التقليدي في فك الارتباط القسري الذي حاولت تل أبيب فرضه تاريخياً، والذي يربط بين جودة العلاقات الخليجية -الأميركية ومدى التقارب مع إسرائيل. هذا التحرر يمنح العواصم الخليجية هامش مناورة أوسع واستقلالية استراتيجية أكبر في صياغة شراكاتها الدولية وإدارة ملفاتها الأمنية والدبلوماسية بشكل مباشر مع واشنطن، دون الحاجة إلى وسيط أو تقديم تنازلات مجانية تخدم مصالح المحتل.

- بالنسبة للقضية الفلسطينية: إن إنهاء الوضع الاستثنائي لإسرائيل وتحويلها إلى «حليف عادي» يضع حداً للحصانة الدبلوماسية المطلقة التي حظيت بها لعقود. ومع تنامي الصوت المناهض للاحتلال داخل أروقة القرار الأميركي، يُعاد طرح ملف الحقوق الفلسطينية وحلّ الدولتين كمتطلب أساسي للاستقرار، بعيداً عن السردية الأمنية الإسرائيلية التي ثبت فشلها وسقوطها الأخلاقي.

إن هذا المشهد الإقليمي والدولى المعقد، بتشابكاته وتصدعاته الجيوسياسية، يعيد طرح الأسئلة الجوهرية حول اللحظة التاريخية الفارقة التي فجرت هذا المسار الاستراتيجي بأكمله، فهل كان السنوار محقاً في «طوفان الأقصى»؟ وهل سننتهي هنا من ارتدادات الطوفان؟!

* وزير الصحة الأسبق

back to top